اللاجئون السوريون المتدفقون على أوروبا هربا من جحيم الوطن المحترق يصنعون حدثا لم تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. حدث مؤلم كما هو ألم الخوف والحاجة إلى المأوى، وكما هي ذاكرة الحزن والأسى على وطن ما زال دكتاتوره الأوحد يصنع له مأساة قل نظيرها في مآسي الأوطان.
اختيار اللاجئين السوريين لأوروبا واستماتتهم لدخولها هو لوحده مصدر أعمق للألم. فالأعداد المتدفقة إلى هناك فائض عن أعداد غفيرة لجأت إلى المملكة ودول الخليج والأردن ولبنان وتركيا وغيرها. وهناك إنفاق سخي رسمي وشعبي على مخيمات اللاجئين من المملكة ودول الخليج، والحاجة قائمة إلى المزيد لاستيعاب بعض أعدادهم. وأن يكون اللاجئون إلى أوروبا فائضا عن اللاجئين إلى الدول العربية وتركيا، دلالة على ضخامة المأساة واستمرارها.
وإلى ذلك، فإن اختيار اللاجئين السوريين لأوروبا وليس لروسيا أو إيران اللتين تقفان في صف القاتل وتمدانه بالعتاد، دلالة على ما يجاوز البحث عن مأوى: إنه إعلان لكرامة إنسان لم يحل قتله وتهجيره وانتهاك إنسانيته بينه وبين القدرة على الاحتجاج والإدانة، والبحث عن نصير. وهذا معنى للمواجهة لا الهروب، والتحدي وليس الاستسلام.
ولا ينفصل عن ذلك، الشعور تجاه أوروبا: قارة القوة التقنية والجبروت الحضاري؛ القارة الموكولة إلى عقل عرف كيف ينتزع مخالب التنازع والاختلاف في مجتمعه، وإلى وعي قادر بالنقد والتصحيح على تجاوز عثراته، وعلى تمكين الحق والمعاني الإنسانية فعليا. ولكن أوروبا ـ في الآن نفسه - قرينة وعي الذاكرة العربية الإسلامية بالاستعمار، وتوحش الرجل الأبيض، وتمركزه على ذاته. الوعي الذي ينزف كل يوم اجتياحا لهويته، واستشعارا لعدمية إقصائه والحصار له، وتهديد صورته عن ذاته.
وأظن أن الألم الذي يصنعه اللاجئون إلى أوروبا هذه، لا بد أن يكون بالغ القساوة ـ ما دام الأمر كذلك - في التأنيب للذات العربية الإسلامية وللعالم، وفي بث مزيد من الرسائل السلبية التي تضاعف التمركز الأوروبي في الوعي، وتفاقم التباس الشعور بين إدانته والدين له.
هكذا فإن تدفق اللاجئين السوريين على أوروبا علامة على ضخامة الكارثة التي حلت بوطنهم، وعلامة على تمسكهم بالكرامة وتمزقهم لإيصال معنى الاحتجاج إلى العالم والبحث عن عدالة. وهو ـ فوق ذلك - ينكأ جروح ذات حضارية ما زالت تغالب عوائقها، وتتلمس حقيقة وجودها، وتبحث عن معاني الإنسان فعليا فيها...
بعد تأرجح بين المنع والسماح بالعبور للاجئين في هنجاريا، وتراوح بين اختصاص المسيحيين من اللاجئين بقبولهم في سلوفاكيا وطلب البابا بأن تكفل كل أسقفية أسرة، وسير اللاجئين على الأقدام على الطريق من بودابست إلى فيينا وتقطع السبل بهم ثم نقلهم بالحافلات.. لمعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وهي تدعو إلى الترحيب باللاجئين، وتوزيعهم في شكل أكثر تساويا على دول الاتحاد الأوروبي. وكان مقتل 71 لاجئا داخل شاحنة تبريد مهجورة في النمسا منعطف تعاطف عديد من المسؤولين الأوروبيين. وهذا غير صور اللاجئين المبثوثة عبر الفضائيات والوكالات وهم يحتضنون أطفالهم وعيونهم تومض بفرح نادر.
ليس لأحد أن يصدق بهجة الأوروبيين بتدفق اللاجئين عليهم ولا ترحيبهم بهم، ولكن ليس لأحد أن ينكر قدرة الأوربيين على منعهم وإغلاق الحدود في وجوههم. هل كانت أوروبا أمام امتحان فعلي للتسامح وحقوق الإنسان؟! وهل كانت مجبرة على تمثل المعاني الفلسفية والنقدية لما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية؟! أم إنها كانت تمارس خيلاء الأقوياء ومتعة شعورهم بالتعالي؟! لماذا –إذن- لم تتمثل المعاني والحقوق الإنسانية أو تستشعر القوة من أجل عمل ضاغط باتجاه وقف الحرب في سوريا؟! أم هي عاجزة عن ذلك؟!
إذا أخذنا بهذا الرأي الأخير فليس لشيء مما تساءلنا عنه موجب، وعلينا أن نبحث عمن يصنع قوة القاتل في سوريا، فهي قوة يعجز العالم عن مواجهتها!