قد تبدو السعادة بانخفاض النفط نوعا من أنواع اللا ولاء، سيما وأنه مصدر الدخل الوحيد للدولة، لكن مصدر سعادتي هو أنني مؤمن تماما أن النفط كثروة طبيعية أحد أهم أسباب تعطيل التنمية الحقيقية في البلد.
والذي ربما رسخ من هذه النظرة لدي هو طريقة إدارة هذه الثروة.
الدولة استفادت في السبعينات من مداخيل النفط بسبب جودة التنفيذ، وبالطبع فإن جودة التنفيذ تعود في المقام الأول إلى رشاقة الجهاز الإداري آنذاك وقلة عدد السكان، أما الآن وبعد عقود أصبح الجهاز الإداري البيروقراطي الضخم أحد أهم أسباب تعطيل التنمية والحائل الأبرز أمام الاستفادة من عائدات النفط.
والمحبط أن عائدات النفط استخدمت بتوسيع الجهاز الإداري العام وساهمت بتضخمه عوضا عن تشذيبه!
مع تضخم الجهاز الإداري وبقاء أنظمة الصرف والإنفاق والمناقصات كما هي ارتفعت فاتورة الفساد وهدر المال العام طرديا مع ارتفاع مخصصات الإنفاق في القطاع العام.
وكل من يؤرخ لفترة ارتفاع النفط في العقد الأخير يلحظ التفاوت الكبير بين الأرقام المخصصة للتنمية وبين ما تم إنجازه على أرض الواقع.
نحن تعلمنا من الحكومة أن المواطن لا يتطور إلا بعد التضييق عليه، ففي السبعينات كان المواطن يستلم مبلغ القرض العقاري وينفقه في مجال آخر دون أن يشيد به منزله، فربطت الحكومة مبلغ القرض بمستوى الإنجاز وأصبح تسليم المبلغ على شكل دفعات.
حتى عندما دشنت وزارة الصحة التطعيمات الوقائية أحجم كثير من المواطنين عن تطعيم أطفالهم فربطت استخراج شهادة الميلاد بالتطعيمات، والآن بعد ارتفاع الوعي فك الارتباط بين التطعيمات الوقائية وشهادة الميلاد! وينسحب هذا التضييق على التأمين وغيره في كثير من المجالات.
الآن وبما أننا أهل بيت واحد فالشبه كبير بين المواطنين والحكومة، ولن تنوع الحكومة مصادر الدخل إلا عند التضييق عليها ماليا بعد انخفاض أسعار النفط.
ولعل أولى بركات انخفاض النفط مشروع القرار الذي ينص على السماح للشركات الأجنبية بالتجارة بشكل مباشر في السوق السعودية، وهناك ربما الكثير والكثير في هذا السياق.
حتى على مستوى السياسة أنا مؤمن بمقولة الفيلسوف كارل ماركس"الإصلاح الاقتصادي يقود بالضرورة إلى إصلاح سياسي" .
ففي دول الخليج بشكل عام تستخدم مداخيل النفط لبقاء الاقتصاد بشكله الريعي الذي يعطل المواطنين عن المطالبة بتطوير النظم السياسية في الخليج، وتحديث علاقة الدولة بالمجتمع.
فالاقتصاد الريعي يفرض علاقة معينة بين النخبة السياسية ومجموع الناس.
تشبه هذه العلاقة المثل البدوي الشهير "سيف ومنسف"، فالسيف يمثل الأنظمة والقوانين التي تحظر الأنشطة المدنية والسياسية، والمنسف يمثل الشرهات والمخصصات التي تنهال على الناس بين الفينة والأخرى.
صحيح أن المنسف سيغيب هذه الفترة مع انخفاض مداخيل النفط ولن يبق إلا السيف، لكننا نعول على حكمة ودراية النخب السياسية في الخليج وعلى بعد نظرها في تحسين القوانين المتعلقة بالعمل المدني والمشاركة السياسية ولو على مستوى التشريع والرقابة على الأقل، ولعل هذا يعوض قليلا غياب المنسف الذي ربما قد يطول كثيرا.
fayed.
a@makkahnp.
com
أنا سعيد بانخفاض النفط!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
