ترى كم من الأشخاص الرائعين قابلنا طيلة حياتنا، ولكن حرمتنا أفكارنا المعلبة الجاهزة عنهم فرصة التعرف عليهم، معرفة قد تثمر عملا خيريا أو مشروعا ناجحا يقدم منفعة للآخرين؟ الآخر الذي لم أعرف، هو جاري الذي صدقت فيه وشاية كاذبة، زميلة في الجامعة تنتمي لمنطقة أو قبيلة أو عائلة سمعت أن أناسها سيئون، زميل في العمل ينتمي لدين أو مذهب يخالف ديني أو مذهبي.
.
.
الأفكار المعلبة جريمة نرتكبها بحق أنفسنا وبحق الآخرين وبحق المجتمع.
ولو اقتصر الأمر على إيصاد العين والعقل والقلب والشباك والباب في وجه الجار والزميل والزميلة لهان الأمر، ولكن الكارثة الحقيقية التي تمزق المجتمعات الصغيرة والأوطان الكبيرة، هي حين يأخذ البعض على عاتقه مهمة تفجير الأفكار المعلبة في من وضعهم داخل صناديقها الضيقة.
ترى هل من ارتدى حزاما ناسفا وفجر الركع السجود في مساجد أبها والقديح والعنود، أو ذلك الذي أفرغ سلاحه الرشاش في وجوه رجال يحمون أوطانهم، أو ذلك الذي قتل القرشي في العوامية، هل عرف أو فكر أو راجع نفسه لثانية واحدة أو تساءل، ترى كم شخصا رائعا سأنثر لحمه هنا؟ كم يدا تعطي الصدقة بالسر سأقطع؟ كم ساعدا يحمل عن أبويه العاجزين سأشل؟ كم طفلا كان سيكون بارا وعونا لوالديه سأزهق؟ كم مفكرا باحثا يفيد الناس بعلمه سيرحل؟ كم رجلا ليس لزوجته سندا سواه سأمزق؟ ترى هل لو لم ينشأ ويتربى على حجز البشر داخل صناديق معلبة، وتقسيمهم في فئات جامدة لا تقبل التغيير أو التحديث، كان يفعل ما فعل؟ الصناديق المعلبة ليست حكرا على غير المتعلمين، كما قد يظن البعض، أبدا لأن الجهل لا يرتبط بالدراسة، فكثير من الجامعيين جهلة بمرتبة خمس نجوم، المعرفة والوعي ترتبطان برغبتنا في الحصول عليهما بسعينا الجاد لتحطيم القيود التي تكبل وصولنا للضفة الأخرى، وتمنع معرفتنا بالآخر المختلف، باقتناعنا قبل كل شيء أننا لا نملك الآن كل المعرفة التي تسمح لنا بالحكم المطلق على الآخرين، أو على الأحداث أو المواقف بالشكل السليم ولا نملك رسم الصورة الحقيقية الواضحة للأشياء.
ليفحص كل منا داخله جيدا، بحيادية وتجرد ولو لبعض الوقت، وليخبر نفسه كم صندوقا معلبا لديه، وكم شخصا رائعا حجز بداخلها؟