يفد إلى مكة المكرمة كل عام الملايين من المسلمين، لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، فيأتون بألوان وأجناس ولغات وأعراق متعددة.. وهي حكمة الخالق في هذه الفريضة؛ حيث يجتمعون للتعارف والتقارب والتعاون والإجماع على عبادة الواحد القهار وإخلاص العبادة له.. فقد قال تعالى: {وأذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم ْوَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ..} (الحج الآية 27-28 )، والخطاب في هذه الآية للنبي إبراهيم عليه السلام، حيث طلب منه الله عز وجل إعلان (الحج) لبيته فرد عليه «وما يبلغ صوتي؟» فقال «أذن وعلي البلاغ» فصعد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام على جبل قبيس وأوصل رسالة الخالق بالحج فطويت له الأرض وتواضعت له الجبال فوصل صوته حتى من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء.. سبحان الله الخالق الذي يسخر لعباده الوسائل المعينة لتحقيق العبودية والطاعة له.
وقد تزايدت أعداد الحجيج وتضاعفت المشكلات والتحديات التي تواجههم في أداء شعائرهم لعدم معرفتهم بجغرافية المكان أولا ثم للازدحام الذي يشكل عقبة للكثيرين في الوصول إلى مقارهم ومكان إقامتهم.
وبالرغم من وجود الآلاف من اللوحات واللافتات الإرشادية في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والترقيم للخيام التي تقوم به الإدارة المركزية للمشروعات التطويرية بوزارة الحج، وبالرغم من وجود مراكز إرشاد التائهين بجوار الحرم الشريف وفي المشاعر المقدسة، وبالرغم من الأسورة البلاستيكية التي توضع على معصم الحاج والتي تبين اسمه والمؤسسة التابع لها ورقم مكتبه ومقره..، مع ذلك نجد الحجاج التائهين بالمئات وربما بالآلاف.. وتزداد المشكلة تعقيدا حينما يكون حتى رجال المرور من القطاعات الأمنية، والقوات الخاصة العاملة في الحج لا يعرفون المواقع، حيث إن الكثير منهم يأتي كدعم إضافي من مدن مختلفة للعمل في الحج، وهم لا يعرفون الطرقات والمخيمات ليدلوا الحاج عليها.. وفاقد الشيء لا يعطيه.. وتظل عبارة (لا أعرف) تدوي في أذن الحاج التائه.. فتصيبه بمزيد من خيبة الأمل وتضاعف من أعبائه وتزيد من المشقة والتعب مما يكدر صفو رحلة العمر.
وأظن ونحن في عصر التقنيات الحديثة لا بد لنا من استخدام الوسائل العصرية لتحقيق الراحة والطمأنينة للحاج في رحلته الإيمانية، فالأجهزة الذكية قد أصبحت في متناول اليد ومعظم الحجاج يستخدمونها بفعالية.. فلماذا لا تكون هناك خرائط الكترونية دقيقة لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة توضح للحاج مقره ومقر مؤسسته ومخيماتها والتي يفترض أن تكون قد أعطيت أرقاما وألوانا محددة لكل مخيم ولكل مؤسسة وخاصة لمن انضموا للحج عبر المسار الالكتروني بحيث يستطيع الحاج التعرف على موقع خيمته ورقمها من خلال خريطة الأجهزة الذكية..
ومع أنه كانت هناك حلول مشابهة ومقترحات منذ بداية العام الحالي (حسب ما ذكره رئيس مؤسسة حجاج تركيا ومسلمي أوروبا وأستراليا المطوف القدير/ طارق عنقاوي في صحيفة مكة الثلاثاء 4/1/1436هـ)، وأنه طرحت فكرة «الشريحة المقروءة والموضوعة في معصم الحاج على شكل أسورة الكترونية والتي تسجل فيها المؤسسة التابع لها بحيث يتم التعرف على مكان الحاج وموقعه في أي وقت.. إضافة إلى أن المسؤولين الميدانيين يستطيعون إرشاد الحاج عن طريق هذه الشريحة بجهاز الباركود والذي يمكن أن يكون متوفرا حتى لدى مسؤولي الكشافة».
وهذه مقترحات فاعلة نتمنى حقا أن تكون قد أخذت طريقها للتطبيق هذا العام لتكون بإذن الله بصيص الضوء للحاج في الوصول إلى مقاره، ووسيلة تقنية حديثة في رحلته الإيمانية التي بذل فيها الغالي والنفيس لتحقيق متعة الاستجابة لنداء الخالق وخليله إبراهيم عليه السلام.