قبل فترة زمنية قريبة لملمت الأيام ساعاتها، ودخلت لحظة مراسم قطع الرحلة المثقلة بالتحديات والذكريات بما فيها من ثقيلات وخفاف حيز التنفيذ الفعلي.
لحظات وداع متنوعة أعظمها يتجلى في مصافحة بحر «جدة» وعناقه، مواقف توديع مثقلة بكل جميل تحت عناوين مختلفة قاسمها المشترك إنساني يتعاظم تصاعدا في سلم المروة والشيم والمودة، وفي كل اللحظات تظهر أعراض انحباس الأنفاس كاشفة عن نفسها في مؤشر العلامات في عيادة الصبر، ولا مجال للفرز والتقسيم على الألوان الثلاثة التي يتخاصم على حدودها الأطباء في مداخل الطوارئ وممراتها أحيانا.
زملاء وزميلات أصدقاء من كل جنس تلونهم ثقافة المدينة بألوانها المتسامحة المطرزة بالوعي الإنساني المنبسط على أرضية القبول والتسامح في غالب الخارطة، نكهة قهوة المدينة عالقة في الذاكرة الجمعية كإرث يتقاسمه أحباب جدة بالتساوي الموسوم بالعفوية الشفافة.
نكهة قهوة المدينة بتقاسيمها الموزونة على ندى العطر الفواح ونسائم الاطمئنان ترافق الغالبية وما هي إلا خصلة من خصوصية عروس البحر.
كنت في خصام مع نفسي حد الانقسام الروحي بين «منطقة البلد» رمز جدة وعنوانها التاريخي..محطة عشاق المكان ومقر مقاهي العابرين التي تحملت طموحي وقبلت تقلبات مغامراتي وبين «داون تاون» مدينة سوانزي ويلز وجادة البورت لاند التي ضبطت إيقاع اندفاعي وبعض مجازفاتي الجادة المحملة بعبق النسائم اللطاف على وقع فناجين قهوة الصباح ونفحات عطر المارة والمستقرين في المكان في انتظار مصافحة فناجين الشاي الإنجليزي الصباحي تمهيدا للاغتسال بموسيقى بواكير النهار ومن ثم الانطلاق بتفاؤل في كل صوب لتجميل الحياة وتدوير عجلاتها.
إنهم هناك يحبون الحياة ويجتهدون في تعليم قداسة هذا الحب للأجيال ووضعه في حساباتهم المستقبلية كرصيد لمواجهة الأيام بسلام.
إنهم هناك كرام ولهم في الفؤاد منزلة.
اليوم وبعد حوالي ثلاثة عقود استقر حيث أراد الله، استقر في منطقة البدايات ومنعطف الانطلاقات مسقط الرأس بشكل ربما أن يكون موقتا لأسباب يجوز إذاعة قليل، قليل سرها غير أنها في النهاية إلى درجة ما لا يذاع له سر أقرب.
هنا الناس هم الناس أهل صبر وحكمة في مجمل الأحوال والمواقف ويبقى أكثر ما يميز الواقع أنه يلوّح برايات التباشير ويُصدر التسامح.
من منا لا يتمنى أن يرى مسقط رأسه في أبهى حلة، من منا لا يتوق لرؤية أرضه وناسه في أجمل صورة، ومن منا لا يريد لبلاده أن تتقدم وتزدهر على سواعد أبنائها وبناتها تحت مظلة العدالة الاجتماعية والمساواة.
تحية لكم من «نجران» الأبية الطاهرة عمدة المدن، صديقة الحياة، سفيرة السلام والوفاء..وبكم يتجدد اللقاء.
بين الرحيل والإياب تبقى نجران
مانع اليامي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
