حكى الشيخ علي الطنطاوي في كتابه «قصص من التاريخ» هذه القصة:
استيقظ الشيخ قبل الفجر بساعات، اتجه برفق إلى سرير ابنه الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، أيقظه بهدوء وأشار إليه أن يتبعه إلى حجرته المنزوية بأقصى الدار، وبعد أن تأكد من إغلاقها أمسك كتابا وسأل ابنه الذي كان يرتجف من البرد (أتعرف ما هذا الكتاب؟!)، أجابه الطفل وهو لا يزال يرتجف: لا...، مد الأب يده ليجلسه وهو يقول: اسمع يا بني لقد كبرت وصرت رجلا وأنت ابني الوحيد.. واليوم سأئتمنك على سر إن علم به أحد قتلوني حرقا في محاكم التفتيش، هذا الكتاب هو كتاب الله، سمع حروفا مرتجفة من ابنه: (الإنجيل؟!، إننا ندرسه في المدرسة..)، أكمل الأب في غضب: لا إنه القرآن الكريم، كتاب الله الذي أنزله على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، النبي العربي الذي بعث في أرض بعيدة تسمى جزيرة العرب، كان أهلها يشركون بالله، فوحدوه، وكانوا جاهلين فاهتدوا، وكانوا متفرقين فاتحدوا، وكانوا ضعفاء فأصبحوا أقوياء وسادوا العالم، ووصلوا إلى تلك البلاد التي كان يحكمها ملك ظالم جبار، فهزموه وملكوا البلاد وأقاموا العدل فيها وأحسنوا إلى أهلها فاعتنق أكثرهم الإسلام، وأقاموا حضارة عظيمة لمدة ثمانية قرون. نظر الرجل إلى ابنه فوجده مفتوح العينين لا يتحرك، فهزه هزا خفيفا وهو يقول: أنت عربي مسلم يا بني، لم يسمع من ابنه إلا تمتمات، فأكمل: من اليوم ستعود عربيا مسلما، سأعلمك العربية والإسلام، ولكن حذار أن يعلم أحد، وإلا حرقوني أنا وأمك، ومرت الأيام والسنون وكبر الطفل، وحفظ القرآن الكريم وأتقن العربية، وذات يوم مر عليه صديق والده الذي كان مسلما يكتم إسلامه، وقال له: لن تعود للدار اليوم، سنهرب إلى المغرب، وصرخ الرجل الذي كان صغيرا: وأبي وأمي؟، فأجابه الرجل: دخلا الجنة بإذن الله، بعد أن جهرا بإسلامهما فحرقهما الإسبان، وصار الصغير العالم المحدث محمد بن عبد الرفيع الأندلسي.
وقبل هذا الزمن بأربعين عاما وفي نفس المدينة (غرناطة)، كان هناك صغير آخر هو أبو عبدالله محمد الصغير آخر ملوكها، أسره الإسبان سنوات ولم يطلقوه إلا بعد أن غسلوا قلبه وعقله، فأيقن بضعف غرناطة واستحالة الصمود، وعاد ملكا فسلم غرناطة آخر ممالك الأندلس إلى الملكين فرناندو وإيزابيلا، وتحت إمرتهما مئات الآلاف من المقاتلين ومليوني مسلم، نعم هناك فرق!!
الصغيران (محمد وأبو عبدالله).. نعم هناك فرق!!
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
