أنا البحر في أحشائي الحقيقة كامنة، وقد نالني منكم في الآونة الأخيرة ما نالني من اتهام زور بدم الطفل السوري، الذي وجد على شواطئي مقتولا.
وقد التزمت الصمت حتى تنقشع الغيوم، وتنزاح العاصفة، وتتمكنوا من سماع مرافعتي دفاعا عن نفسي، في قضية أشعلت أوراقكم، وتغريداتكم، وحركت مشاعركم الكاذبة، بطرق مقلوبة، متحايلة، فوجهتم أصابع الاتهام لأمواجي الدامعة اللاطمة، من كثرة حزنها، وألمها على ما حدث، ويحدث بينكم بشكل مستمر، يا معشر غفاة البشر.
لقد عاش الطفل في قريته المنكوبة ثلاثة أعوام من أعوام عمره الثلاث، التي قضاها تحت قصف براميل تتساقط من الجو ملتهبة متفجرة، وكان الخوف والدموع والألم رفيقه طوال عمره، من حاكم ظالم، يسحق كل من يقف في طريقه حتى ولو كان ملاكا، ليبقى هو مدلدلا ساقيه الطويلتين من فوق عرش، ينتقل خفية كل يوم لزاوية، بحثا عن الثبات.
هذا الطفل العربي لم يلمح وجه أمه طوال ثلاث سنوات عاشها وهي تضحك، حتى إنه ظنها لا تعرف إلا الدموع والحسرات رفيقا، والرجفة وسيلة للحياة.
هذا الطفل لم يستقر به مقام وهو لاهث يحاول الاختباء والهروب من شياطين سود الملابس، لا يعرفون إلها ولا رحمة ولا أخلاقا، ولهم مع النحر والحرق والتعذيب والسلب والنهب والاغتصاب حكايات كانت تجعله يختبئ بين أغطية الرعب واليقظة من خشية غدر قادم.
هذا الطفل قد مشى أكثر مما يحتمله الكبار، فصعد الجبال، وعبر الأودية وهو يحمل رمقه الأخير فوق خطوات متعثرة عرفت كيف تسبق عمرها عشرات السنين، حبا في البقاء، وجهلا بمعاني ما يحصل، وما يمكن أن يكون لو تعثرت به خطوة.
طفل هجر بلده على قدميه، محاولا اللحاق بخطوات والديه اللذين كانا يلهجان بالدعاء، يهرولان، ويزحفان، ويتحينان الفرص القليلة، للمرور من بين أعين شبيحة سلطة ظلمة، وبين رصاص متعطش لقطرة دم.
هذا الطفل وصل إلى شطوط الهجرة القاسية، واعتلى ظهر مركب متهالك صنعه الفساد وحركه الغش والجشع، فناء متنه بحمل أكثر بكثير مما هيئ له.
غضبت أمواجي للصورة البشعة، فكان الركاب إلى الغرق أسرع، وإلى الخوف والتردي أقرب.
لقد سقط الطفل إلى أمواجي من بين يدي أمه الموهنة بدوار يتقاذفها يمنة ويسرة، وهي تتشبث بعرى المجهول، وتحتضن أبناءها بين يديها؛ والأب منصرف إلى البعد في محاولة يائسة لموازنة المركب المجنون، وسط جو مفارقات، وبعد هروب القبطان، مختلسا طوق نجاة، يحميه من ذنب السؤال.
الطفل سقط فوق مياهي، فكنت أحاول أن أحمله للأعلى وأحميه، ولكنه كان بكل يأس وقنوط يمعن في الرحيل عمقا، وأنفاسه تمتلئ بطحالب الخوف؛ ويرفض العودة إلى المرار والشقاء والتعب، وإلى وحوش تقاسموا أدوار تعذيبه، طوال عيشة لم تكن إلا سلسلة من نار، وعذاب.
أنا بريء من دمه، ولربما كانت أمواجي أيادي حنان تمدد عليها، لتوصله إلى شاطئ من سكينة الرمال، فيرتسم هناك لوحة، في آخر رحلته، تدل على حيوانيتكم، ووحشيتكم، وظلمكم، وأنكم تبدعون في الهروب من مسؤولياتكم باتهامي، وما أنا إلا خلق عظيم أخرس مظلوم يتقزز من أفعالكم، يا معشر الوحوش، والشياطين.
براءة البحر من دم الطفل
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
