اقتصاديا يمكن اعتبار التوجيه الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - القاضي بدراسة كل الأنظمة التجارية والاستثمارية بما يسهل عمل الشركات العالمية، وتقديم الحوافز بما فيها العمل المباشر في السوق السعودية، البداية الحقيقية لبناء اقتصاد مرن ومتنوع قادر على المنافسة، وتجاوز تحديات تقلبات أسعار النفط.
التوجيه الذي أصدره الملك سلمان لوزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة للاستثمار يتضمن فتح المجال للشركات الأجنبية للاستثمار في قطاع تجارة الجملة والتجزئة لمنتجاتها بنسب ملكية تتجاوز النسب الملتزمة بها المملكة في منظمة التجارة العالمية، وقد تصل إلى نسبة تملك 100 %، ويهدف إلى استقطاب الشركات العالمية المصنعة مباشرة، وفتح الأبواب أمامها لتصنيع منتجاتها في المملكة، لتكون المملكة مركزا دوليا لتوزيع وبيع وإعادة تصدير المنتجات، كما أنه يمكن الشركات من بيع منتجاتها بطريقة مباشرة للمستهلك ليستفيد المواطن من خدمة مميزة لما بعد البيع، علاوة على زيادة مستوى التنافسية، والحد من إساءة الوضع الاحتكاري، إلى جانب فتح فرص توظيف جيدة للمواطنين، وكذلك تدريب وتنمية قدرات الشباب في مراكز تدريب تابعة للشركات المستثمرة.
لا شك أن هذا التوجه سيسهم في جذب استثمارات ذات قيمة مضافة للاقتصاد، لأنها تشترط تقديم المعرفة والتقنية الإدارية والصناعية المطلوبة التي تساعد على زيادة الكفاءة الإنتاجية لعوامل الإنتاج، وتعزيز تنافسية المملكة في الأسواق العالمية، وزيادة الصادرات وإحلال الواردات.
وفي المقابل سيحظى الاستثمار في المملكة باهتمام كبير من قبل الشركات العالمية المصنعة للاستفادة من الميزة النسبية للبترول والغاز، وميزة الموقع الجغرافي المتميز في قلب الشرق الأوسط، فهذه الميزة الجغرافية جعلتها نقطة اتصال بين القارات الثلاث مما يسهل الوصول والتنقل لأكثر من 250 مليون مستهلك في فترة زمنية لا تتجاوز ثلاث ساعات.
وبعد أن صدر التوجيه الذي يهدف في المقام الأول لتحسين البيئة التشريعية والتنظمية الخاصة بالاستثمار الأجنبي في المملكة التي طالبت بها كثير من الدراسات، وتسهيل عمل الشركات العالمية، وتقديم لها الحوافز التي تسهل الاستثمار المباشر في السوق السعودية، أصبحت الكرة في ملعب وزير التجارة والصناعة ومحافظ الهيئة العامة للاستثمار، والجهات المعنية بدراسة الأنظمة والتشريعات سواء كان مجلس الشورى أو هيئة الخبراء في مجلس الوزراء، وأصبحت مسؤوليتهم مضاعفة أمام القيادة والمواطنين والرأي العام للعمل على سرعة إنجاز دراسات تحديث وتعديل هذه الأنظمة، والرفع بها لمجلس الوزراء لإقرارها.
الإصلاحات الكبرى التي يمر بها القطاع الاقتصادي لن تؤتي أكلها ما لم يكن مسؤولو الوزارات والهيئات التنفيذية بمستوى الحدث والوعي الكامل، بما يمكنهم من العمل على استغلال هذا الدعم الكبير من القيادة لتصحيح مسار الاقتصاد، وتقويته، وتحويله إلى بيئة جاذبة للاستثمار، وإعادة بوصلته نحو التنوع والتكامل.
ومن أجل تحقيق الفائدة من هذا التوجيه، والحد من بطء وطول إجراءات دراسات وتعديل الأنظمة، وحاجة الاقتصاد للاستفادة من المزايا التي يجلبها هذا التوجيه على المديين المتوسط والبعيد، فلعل من المناسب:أولا: أن تكون معوقات الاستثمار الأجنبي التي تم تحديدها في دراسات سابقة هي النواة الأولى التي تنطلق منها هذه الدراسات بما يضمن تلافي كل التحديات والمعوقات التي تواجه الاستثمار الأجنبي.
ثانيا: تكوين فرق عمل من كل الجهات المعنية بهذه الأنظمة، والعمل على سرعة إنجازها خلال فترات زمنية محددة، فإحدى المعضلات التي تواجه دراسات الأنظمة لدينا هي عدم تقييد هذه الدراسة بفترات زمنية ملزمة لإنجازها.
ثالثا: منح هذه الأنظمة أولوية خاصة في الدراسة من قبل مجلس الشورى وهيئة الخبراء لتجاوز البيروقراطية الإدارية، التي أطالت أمد دراسة كثير من الأنظمة، وأصبحت عند صدورها أنظمة قديمة بحاجة إلى تطوير وتحديث.
رابعا: أن تأخذ هذه التعديلات في اعتبارها التطورات المستقبلية التي قد تحدث في الاقتصاد العالمي، لا أن تكتفي بالتركيز على الفترة الحالية، وأن تتصف بالمرونة التي تسمح بتعديلها أو تطويرها متى ما دعت الحاجة إلى ذلك دون الحاجة إلى السلسلة الإجرائية الطويلة التي تمر بها حاليا، فالاقتصاد يحتاج إلى أنظمة مرنة تستجيب للمتغيرات والمستجدات العالمية.