أتى به البحر يحمله، كان به لطيفا رفيقا، فلم يسلمه للحيتان لتأكله، ولم يحتفظ به في أعماقه، بل لقد كان هو وكل الحيتان أرحم به من يد الغدر والظلم التي شردته وشردت عائلته.
على رمال الشاطئ أسلمه البحر برفق ثم ذهب، كانت سترته الحمراء كالوردة اليتيمة تبحث عمن يحتضنها ويقبلها، لم يأت إلى الشاطئ لكي يبني بيوتا من الرمل، ولا لكي يلهو على رماله الهادئة، بل أتى ليكون شاهدا على ظلم الإنسان للإنسان، أتى ليقول لنا إن قلوب البشر قد تكون أقسى من الحجارة في أحيان كثيرة، بل أشد قسوة.
لك الله يا إيلان لقد مزقت قلوبنا عندما رأيناك تقبل الرمال وأنت في طريقك لرحلة الخلود الأبدي، وكأنك تقول لنا وللعالم أجمع: دعوني أرحل فلم يعد لبراءتي في عالمكم مكان، فأطرافي الغضة وابتسامتي البريئة وقلبي الصغير لم تشفع لي للبقاء بينكم بعد أن اغتالتها يد الغدر والإجرام، وتسلط عليها مصاصو الدماء وعشاق التخريب والدمار.
لك الله يا إيلان لقد أصبحت أيقونة عذاب تحرق أكف الخونة والمجرمين، وتؤنب ضمائر الصامتين.
رقدت على الشاطئ الذهبي في هدوء مرتديا بزتك الحمراء ومنتعلا حذاءك الأبيض، أين كنت ستذهب يا ترى؟ هل كنت ذاهبا إلى الحديقة المجاورة لتلهو وتلعب مع أحبابك وأصدقائك، أم كنت ذاهبا لشراء لعبتك من السوق؟ لقد حرمك الأشقياء من كل هذا، لقد سرقوا براءتك مبكرا، وسطوا على ألعابك فسرقوها، بل لقد تجرؤوا على روحك البريئة فسلبوها.
أعلم أنك لن تسامحهم، وأنك ستقتص لنفسك ولأترابك منهم، وأعلم أنك متى استيقظت من رقدة الخلود ستجدهم جاثمين أمامك مكبلين يطلبون منك الصفح والغفران.
لك الله يا إيلان لقد كنت رسالة سلام وعربون محبة، أحبك الجميع، وبكى عليك الجميع ومجّدك الجميع، لقد فَتحت أوروبا أبوابها لأفواج المهاجرين بفضل محبتك، وتنادت المنظمات الإنسانية وحقوق الإنسان لإنقاذ أهلك في سوريا بقبس من أطياف روحك البريئة.
لقد رحلت يا إيلان ولكنك كنت زلزالا أقض مضاجع الطغاة والمتكبرين، وسراجا أضاء عتمات القهر وأحرق أوهام الظالمين، وقمرا أنار الطريق للسالكين من المقهورين والمظلومين والمهجرين.
لك الله يا إيلان
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
