الشمس تلملم آخر ما تبقى من خطوطها القرمزية قبل أن تتوارى خلف هضبة صغيرة، صغيرة جدا.. لدرجة أن أهل القرية لم يطلقوا عليها اسما كما فعلوا مع الأودية ومجاري الماء الصغيرة، لحظات الغروب دائما هي الوقت المناسب لرفرفة الشجن والذكريات الدفينة، ربما لهذا السبب يكره أهل القرية الغناء في هذا الوقت، ويتطيرون منه، وحتى الرعاة اعتادوا أن يخبئوا ناياتهم احتراما لأحزان رحيل الشمس!
القمر - بنصف استدارة - بدا مرهقا يطل بفتور من خلف شراشف الغيم، والأطفال ليست لهم رغبة بالنظر إلى السماء، كما يفعلون كل ليلة، ولم يتنافسوا في حساب أكثر عدد من النجوم، وحتى مؤذن المسجد لم يشعر برغبة في الأذان، وكأن الجميع كانوا يتضامنون مع غيابه، هذا الصمت المهيب انعكس على الراوي أيضا الذي لم يجد رغبة في إكمال القصة، سيّما أن الجميع من حوله بحالة وجوم، القليل جدا من الرجال تمتد أيديهم لنكث الأرض بلا هدف، وكأنهم يطمئنون على بقاء الأرض!
****
الشمس تضرب بسياطها بلا هوادة على الإسفلت فينبعث شياطا رديئا لا يشبه رائحة الشواء، ودرجات الحرارة ترتفع بشكل أحرج حتى الماء، ومع ذلك تزيد حركة الناس وكأن العطش يمدهم بالطاقة، أو النفور من كل شيء، الأرض في أعتى مراتب الغليان، والإنسان يزداد غلوّا في التشبث بكل شيء، حتى في لحظات الاحتضار يحاول أن يخطف معه قتيلا، وكل ما حولك يتضامن مع هذا الضجيج، الأغاني تزأر بكلمات تحفّز على الشتيمة، والناي قرر أن يتحول لعصا صاعق كهربائي شرس وعدواني، والكل يهبط للأسفل، لما بعد الوحل، منذ زمن والسماء قاحلة فلم تهدهد أطرافها روح جميلة في رحلة صعود!
تنهّد الراوي وطاطأ رأسه متصنعا البكاء، ثم تنبه أنه يهذي وحيدا في فراغ تام، فتحسس وجهه فإذا به يقهقه على طريقة ضحك الجاهليين في الأفلام التاريخية، تجاهل رنين كلمة (جاهلية) فقد سئم جناية المصطلحات التي تخاتل التاريخ، وسئم أكثر خوفه من التصريح بأمنيته أن يكون عاش جاهليا في منتديات العرب وأسواقهم ورقي حضارتهم على أن يعيش في هذا الزمن الرديء!
****
ترجل من سيارته، مشى حتى اختفت عنه أضواء المدينة، لم يكن يبحث عن شيء، أو أنه كان يبحث عن اللاشيء الذي يفتقده دون أن يعرفه، شيء مجهول يحنّ إليه، رائحة ربما، أو لحن فرّ من نوتةٍ في لحظة سلطنة، رفع رأسه إلى السماء وهو ما زال يمشي بخطى أقرب للهرولة، شدّه منظر الغيوم وهي تسير قطعانا للجهة الأخرى.. هوى بقوة.. وابتسم بعمق!