إن من يتولى زمام الخطاب الإسلامي الذي ينصت إليه ملايين المسلمين عبر منابر المساجد في صلاة الجمعة قد تقلد في عنقه أمانة النيابة عن الجناب المحمدي في إيصال كُل ما منَ شأنه توجيه المسلمين لفهم أمورهم الدينية والدنيوية على الوجه الصحيح، وأن يُعالج شؤون مجتمعه الذي يخطب فيه، لا أن يتخذ هذه المنابر منطلقاً لنشر فكر معين أو انتماء لجماعة مخصوصة أو إثارة لنعرة طائفية أو تحريض على ولاة الأمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالمنبر يبني ولا يهدم لأنه يستمدّ قوّته من كونه جزءا من شعيرة كبرى من شعائر هذا الدين
فكم من مُستمعٍ لهؤلاء المُعتلين لهذه المنابر لا يحسن الوضوء، بل ومنهم من لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة، والبعض الآخر قد لا يعرف أركان وواجبات الصلاة التي هو في انتظار إقامتها بعد الخطبة التي قضى قرابة الساعة وهو ينصت إليها! نعم إنها أمانة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، يحملها أُولئك المُعتلون شاءوا أم أبوا! وحتى لا أكون ممن يسلك مسلك التعميم فإنهُ ولا شك هناك من الأئمة منَ سار على خطى الحبيب في إيصال رسالة المنبر على الوجه الصحيح الذي من أجله اعتلى نبينا صلى الله عليه وسلم المنبر، وقليل ما هم
إن ما نلمسهُ عيانياً من خلال الواقع الذي تبثهُ المنابر المائلة، ينعكس بصورة واضحة وجلية على من يستمعون لها، بل ويشهدهُ بكل جلاء من يرقُب عن كثب أحوالهم حين الإنصات لها، فمنهم من يغلبه النعاس، ومنهم من ينظر من حين لآخر في عقارب الساعة راجياً انتهاء الخطبة بفارغٍ الصبر، ومنهم من زهد في البدنة ورضي بالبيضة فيأتي متأخراً فراراً من التكرار والخطاب الممل والعبارات المنمقة الجوفاء من أي فائدة مرجوّة
إن السبب الرئيسي في ميلان بعض المنابر هو اعتزال الخطيب عن شؤون المجتمع وشجونه وفقدان المعتلي للمنبر فقه المناسبات، فلكل مقامٍ مقال، إلا أن هناك أسبابا أخرى لميلان المنابر ألا وهي الانشغال بتنميق الألفاظ والعبارات فيقع في التكلّف فتصبح الخطبة مُجرّد قوالب بلاغية لا روح فيها، أو بخوض المتكلم في المسائل الخلافية فيوغر الصدور ويزرع الشحناء
لا شك أن من يتربع على منبر مائل لا بد وأن يهوي به ذلك المنبر يوماً ما، وأما من يتربع عليه ولكن على قدم الحبيب صلى الله عليه وسلم فسينالهُ نصيب من استشعار حنين ذلك المنبر لهُ ساعة أن يترجل منه، كما حن الجذع لسيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه، وإن كان هذا قياسا مع الفارق إلا أن فضل الله واسع وكرمه لا ينقطع
فيامن اعتليتم هذه المنابر حافظوا على استقامتها واحذروا أن تميل بكم واعلموا أنكم نواب عن خير من بقدمه اعتلى خير منبر صلوات ربي وسلامه عليه
منابر المساجد ليست منطلقا لأفكار الجماعات
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
