مفهوم الصحة من وجهة نظر المهتمين بالشأن الصحي ومعهم أهل اختصاص إنتاج الخدمات الصحية وإدارة شؤونها أفرادا ومنظمات، مفهوم يتشكل في حالة السلامة البدنية والنفسية والعقلية للفرد.
وهذا يقودنا إلى الوقوف على مدى ارتباط مستوى صحة الفرد بمستوى التعليم وحالة السكن والغذاء وإلى ذلك البيئة إلى جنب نوعية الخدمات الصحية المتوفرة وإمكانية الحصول عليها باعتبارها –أي الخدمات الصحية في أي بلد رشيد تهدف في كل خططها إلى تخليص الإنسان من المرض لتسهيل عودته إلى الحالة الصحية المأمونة.
حقيقة، هذا هو الرأي السائد على طاولة الخبراء كما أفهم من وحي المراجع والمستندات ذات القيمة العلمية، وهذا هو ما يمكن للمتابع رصده في معظم المراجع المتعلقة بالنظم الصحية والخدمات الصحية.
وإلى ذلك كثيرا ما يؤكد أهل الاختصاص صراحة على ارتباط انتكاسة السلامة الصحية بالغذاء من ناحية والسكن من ناحية أخرى، ونفس الشيء بالنسبة للتعليم والبيئة كعناصر ذات أثر بين حين اختلالها أو اعتلال وضعها.
في هذا السياق يرى البنك الدولي بحسب تقريره عن التنمية المستدامة: الاستثمار في الصحة – واشنطن دي سي 1993 «أن كلا من الصحة والقدرة على تحسين الصحة يرتبطان بالدخل والتعليم وبالتغيرات التي تحدثها الثروة والتعليم في سلوك الأفراد.
وكذلك مقدار النفقات وكفاءتها في النظام الصحي، ومدى انتشار الأمراض الحالية والتي يحددها المناخ والعوامل الجغرافية والبيئة إلى حد كبير»كما تعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة وتزيد في الإيضاح حيث تضيف الجيدة good health بأنها «حالة السلامة البدنية والعقلية الكاملة، وليس مجرد غياب المرض أو عدم الاتزان».
يتضح هنا أن مفهوم إحراز المستوى الصحي الجيد أبعد من مجرد الخلو من المرض وهذا ما يمد حبل الوصل مع عديد من الجهات خلاف الجهات المعنية بتقديم الخدمات الصحية بمعنى أن كامل مدخلات الصحة ليست محصورة فقط في صناعة الخدمات الصحية، فإلى جانب هذه الخدمات سواء كانت علاجية أو وقائية أو تأهيلية ثمة مدخلات أخرى، مثل مستوى المعيشة وصحة البيئة وهي لا شك شؤون تندرج تحت مسؤولية وواجب جهات اعتبارية مستقلة في معظم البلدان، وتضطلع بدور هام في تعزيز الصحة متى قامت بكامل مسؤولياتها والعكس صحيح، من هنا يفترض على كل وزارة صحة أن تدخل مع هذه الجهات في مشروع شراكة حقيقية .
ولعلي ألمحت إلى بعض تفاصيل المسألة في مقال فائت إن كانت الذاكرة تتمتع بالصحة.
في وجه العموم يبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه النظم الصحية هو - تقديم خدمات صحية مضمونة قابلة للاستمرار ومثل هذا الرهان لا يتحقق في ظل ارتباك دور مراكز الرعاية الصحية الأولية أو اعتلالها، إلى ذلك يقفز إلى المقدمة تأهيل القوى العاملة ومد مظلة التعليم والتدريب المستمر.
البناء القوي يأتي من الأساسات والانطلاقة الموفقة مردها للأرضية الصلبة.
وبكم يتجدد اللقاء.