يدين التاريخ للمخطوطة بأنها الصورة الأولية للكتاب وأنها حافظة للعلم والمعلومة في مجال ما قبل وسائل الخزن الورقية والتقنية الحديثة، كما أن مجموع المخطوطات الكلي في حيز جغرافي يشف عن مقومات المسار العلمي لهذا الحيز ويكشف عن شغفه من عدمه بالعلم كونه مقياسا للتحضر والتمدن ومساعدا محفزا للتواصل مع الجزئيات المعرفية والثقافية الأخرى في العالم، من هنا أتى اهتمام الدولة حفظها الله بذلك المصدر المعرفي والدلالي منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ من وازع ديني كون الإسلام دين علم ومعرفة واتصال وأيضا كون هذه المخطوطات تمثل شكلا آخر للامتداد بين ماضي الدولة السعودية في عهديها الأول والثاني وحاضرها من جهة والدول الإسلامية المبكرة من جهة أخرى، وما صدور قرار الملك عبدالعزيز بإنشاء مجمع المكتبات الوقفية في المدينة المنورة قبل مئة عام، إلا ليشير إلى الاهتمام المبكر بالقيمة المعرفية للجزيرة العربية وإعادة إنتاج موروثها العلمي وتأصيله وتعزيزه في الواقع المعاش والاعتراف بالمعلومة بصفتها من مواد البناء المعنوي، وربط المجتمع الناشئ آنذاك بالكتاب، فمن أولى الخطوات الموازية للبناء السياسي للدولة استشعار الدور الحضاري للكتاب والقراءة وإعادة طبع ونشر الكتب الشرعية، وتثمين الكتاب كهدية متبادلة ووضع مبنى مستقل له لتعظيمه في الحياة اليومية والإشارة إليه، فقد عرف عن المؤسس ـ رحمه الله ـ حبه للعلم والعلماء وقبوله كتب المفكرين والعلماء واهتمامه المبكر بطباعة الكتب لخدمة مصادر العلم الشرعي، فكان مجمع المكتبات الوقفية تفاعلا مع دلالات العاصمة الأولى للإسلام وحفظا لجهود علمية مبكرة كابدت عقبات عدة لنسخ الكتب وإنشائها، وعناية بالتاريخ العلمي للدولة السعودية الأولى التي آلت مكتباتها إلى المدينة المنورة.
وحين تتوسع دارة الملك عبدالعزيز في فتح شراكة مع القطاعات المعنية في تنظيم معرض مخطوطات المدينة المنورة فإنها تترجم ما حظي به العلم والتاريخ من إجلال ودعم واهتمام في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ الذي بلغ ذروته في وضعه ـ رعاه الله ـ لحجر الأساس لمجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم شهر رمضان المبارك الماضي الذي من المخطط له أن يكون منارة مخطوطة في الأفق العلمي بعناية خاصة من فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة، وتتجاوب مع هذا الاهتمام والدعم وتستفيد من معطياته في توثيق العرى والصلات بين الأجيال المختلفة وتاريخها، وهي أيضا تقدم باجتهاد مخلص وقفة طويلة لمحبي المخطوطات وملاكها وهواتها مع هذا المصدر التاريخي المكتنز، فبين المرسوم الملكي الذي أصدره المؤسس الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وبين هذا المعرض الذي يعكس اهتمام خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ صلة وتكامل يعكس الاتصال والامتداد والتشابه في السمات الأساسية بين العهدين الزاهرين.
وحين نقرأ حجم المشاركة المتفاعلة من المكتبات الجامعية والأسر العلمية المدينية الذي يوجب الشكر والعرفان في هذا المعرض الذي يفتتحه أمير منطقة المدينة المنورة، ويبارك أهدافه، نشعر بعمق العلاقة العميقة بين المخطوطة وأهالي المنطقة وعلمائها، إذا ما أكدنا أن المخطوطة كانت هي الأساس لمنتجات ثقافية تالية أكبر مثل المكتبة وصناعة الكتاب وتكاثر المطابع، ثم الانتشار الالكتروني.
معرض مخطوطات المدينة المنورة بما يحمل من مبادرات وبما يتضمنه من مفاجآت علمية سارة سيكون إن شاء الله امتدادا لمشروعات معرفية مهمة للدارة وعلى مستوى الوطن في المستقبل القريب بإذن الله تعالى.
الدكتور فهد بن عبدالله السماري - الأمين العام المكلف لدارة الملك عبدالعزيز
امتداد تاريخي للاهتمام السعودي بالمخطوط
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
