عندما عبرت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» في مقال نشرته الأسبوع الماضي عن قلقها حيال أسعار النفط التي سجلت أسوأ أداء شهري لها في يوليو الماضي منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 لم يأت هذا القلق من فراغ.
فبحسب الأرقام التي اطلعت عليها «مكة» فإن الأسعار نزفت بشكل كبير هذا العام بفعل ضعف الأساسيات من ناحية، إضافة إلى تزايد المضاربات من ناحية أخرى.
وسجلت أسعار نفط برنت في أغسطس 2015 معدلا شهريا قدره 54 دولارا، وهو أقل معدل تسجله خلال أغسطس منذ 2008.
ويبدو القلق واضحا من ناحية أوبك حيال المضاربات، حيث عبر الأمين العام للمنظمة عبدالله البدري في أكثر من مناسبة أن المضاربات هذا العام تسببت في هبوط الأسعار بشكل كبير.
وزادت المضاربات بشكل كبير أخيرا وأصبح السوق الآن في أيدي المضاربين وسط غياب أوبك، حيث ظلت الأسعار تتقلب بشدة بين الصعود والهبوط في الأسبوعين الأخيرين لتعيد إلى الأذهان سيناريو عام 2008 عندما تسببت المضاربة في هبوط سعر نفط برنت بنحو 32.9 دولارا بين سبتمبر وأكتوبر من ذلك العام.
ففي أواخر أغسطس وتحديدا يوم 28 منه ارتفعت أسعار النفط بنحو 10 % وهو أعلى ارتفاع يومي منذ سبع سنوات، ولكن الأسعار كانت قد انهارت بنحو نفس النسبة في الأسبوع الذي سبقه، وهذا دليل واضح على المضاربة الشديدة في أسعار النفط.
ويقول أحد المصادر في أوبك لـ»مكة» «في العادة الأسعار تتذبذب في مستويات بين 5 إلى 10 دولارات بسبب المضاربة ولكن في الفترة الأخيرة أصبحت المضاربة حادة جدا في غياب أوبك التي انتهجت سياسة مختلفة الآن وتركت السوق لتصحح نفسها بنفسها».
وأضاف «إذا ما قارنا ظروف السوق في 2008 و2015 فإني لا أرى أي عوامل أساسية تؤثر في الأسعار بشكل كبير، فالطلب لا يزال ينمو بشكل واضح كما أن المخزونات ليست ضخمة جدا».
عام المضاربات
وبالعودة مع الذاكرة إلى الوراء فإن عام 2008 كان عام المضاربة في سوق النفط بلا جدال.
فكل الظروف كانت تدفع أسعار النفط إلى الهبوط ذلك العام ومع ذلك الأسعار ارتفعت بشكل كبير جدا وسجلت أعلى ارتفاع لها.
ففي 2008 انخفض الطلب على النفط بنحو نصف مليون برميل تقريبا، فيما زادت دول أوبك إنتاجها في النصف الأول من العام بشكل كبير، كما ارتفعت المخزونات التجارية في مارس من ذلك العام إلى 2500 مليون برميل، منها 134 مليون برميل في الاقتصادات المتقدمة، وهو أعلى ارتفاع تشهده هذه الدول في المخزونات التجارية من النفط منذ عام 1984.
والمخزون التجاري هو النفط الذي يتم تخزينه بغرض استخدامه السريع، وهي مختلفة عن المخزونات الاستراتيجية والتي غالبا ما تحتفظ بها الدول من أجل مجابهة أي أزمات نفطية.
ورغم كل تلك الظروف في 2008 وغرق السوق بالنفط إلا أن الأسعار ارتفعت مع المضاربات بشكل جنوني لتصل إلى 147 دولارا للبرميل في يوليو من ذلك العام.
وعبرت الحكومة الأمريكية عن قلقها من المضاربات، حيث ذكرت هيئة الأوراق المالية الأمريكية أن أحد المضاربين في بورصة نيويورك كان يمتلك عقودا نفطية لنحو 460 مليون برميل، وهو ما يعادل خمسة أضعاف الإنتاج العالمي ليوم واحد من النفط في ذلك العام.
من هم المضاربون:
بالنسبة للمضاربين فإن القائمة كبيرة جدا وتشمل عددا من صناديق التحوط مثل استناباك أو اندوران كابيتال والتي تتحكم في مليارات الدولارات وتضخ المليارات يوميا لشراء العقود الآجلة.
ومن بين كبار المضاربين في السوق مصرفا جولدمان ساكس ومورجان ستانلي الأمريكيان، يليهما مصرف سيتي جروب وجي بي مورجان.
ويشتري المضاربون عقودا كبيرة مستقبلية من النفط الخام، لهذا فهم يتحكمون في أسعاره المستقبلية، وتجبر المصافي على شراء النفط إذا ما كانت الأسعار الحالية أقل من الأسعار المستقبلية.

