حينما تتعاظم بقعة اليأس وتظل تتمدد حتى تغطي رقعة كبيرة من الوطن، بمناحيه الفكرية والثقافية والإبداعية، فإن الظلام يتسيد المشهد، فيرتد الآملون طرائد لليأس والقنوط والإحباط، ويسدر العارفون في ظلماتهم يعمهون، فمن يحمل المشعل، ويسكب النور في عيون الحيارى في زمن المعلومات التي تعبر أسماعنا وألبابنا من كل أنحاء العالم، ويحجبها عنا ـ وهي بين ظهرانينا ـ عمى البصيرة عن دواء أرواحنا بما نملك.
ربما يعتب قرائي على رمزية المقدمة، لكنهم سيغفرون خطيئتي حينما يتلبسهم الذهول الذي تلبسني يوم الأربعاء الماضي، حين أصر صديقي عبدالعزيز عسيري على مرافقته وجمع من المثقفين إلى مركز (رشد)، وما أدراك ما مركز رشد؟! إنه مركز يعرف نفسه بـ (مركز خيري متخصص في تقديم خدمات التأهيل، وإعادة التأهيل، والرعاية والصيانة المستمرة للمتعافين من الإدمان، برعاية مؤسسة المشعل الخيرية)، واسم رشد جاء من الرشد (العقل).
صرح مشع بالأمل والتفاني في خدمة أبناء هذا الوطن، وإصلاح من انزلقت أقدامهم في لحظة غفلة إلى درك خطيئة المخدرات، فمنذ دخولنا ولقائنا بأمينه العام الأستاذ عبدالغني روزي، ومديره التنفيذي سلطان البيحاني والدهشة لا تفارق ألبابنا، تتبرج على وجوهنا كل علامات التعجب والإكبار، وابتسامات الاعتزاز والغبطة، لا يعكر صفو كل شيء إلا الاستفهامات مشرشرة الأخامص حين تطأ عقولنا دون هوادة ولا رأفة.
أسهب المستقبلون والفريق الطبي في الترحاب والشرح عن المركز والخدمات التي يقدمها لكل إنسان يأتيهم بمحض رغبته للتعافي من الإدمان، فلا يقبل المركز نزيلا مجبرا، سواء من جهة حكومية أو من أسرته، ثم يخضع النزيل الذي اصطلحوا على تسميته (المتعافي)؛ تفاؤلا بما سيكون عليه بعد انخراطه في برامج المركز المتنوعة التي تتيح للمستفيدين خيارات شتى، وفق رؤى علمية دقيقة وصارمة، لمتابعة حثيثة لا تفتر.
مبنى المركز مستأجر في منطقة الهدا، وتبلغ طاقته الاستيعابية ما يقارب 65 سريرا فقط، في سكن منظم، يؤمن للنزلاء الحياة الكريمة، والحرية المسؤولة، ويجعلهم شركاء أيضا في إدارة المكان وسيرورة أعماله.
واللافت أن المركز بعيد جدا عن التقليدية، إذ يمتلك استراتيجية علمية عميقة ودقيقة في متابعة الحالة، وإجراء الاختبارات النفسية والجسدية المستمرة بشتى الطرق، ويحدد للمتعافي جميع أنظمته، ودوره في المركز، وحقوقه وواجباته، والعقوبات المترتبة على خرق الأنظمة، وحرصه الشديد على اتباع المعالجين للمنهج الذي يتمثلونه في التعامل مع المتعافين، حيث لا مجال للارتجال مطلقا.
استأذن المدير من النزلاء فتجولنا في أرجاء المبنى، ومسطحاته الخضراء، وأشجار الفاكهة المنتظمة في الفناء بتنسيق رائع، ومباني سكن النزلاء المقسمة إلى مجموعات لها أنظمتها وقوانينها، ثم دخلنا استراحة كبيرة، استقبلنا فيها النزلاء بابتسامة رائعة، بعدها خرجنا إلى استراحة خارجية خاصة بالمدخنين، جلست فيها إلى جوار شاب قرأت في وجهه وصوته الرضا بالنتائج التي حصل عليها، ولم أعلم أن الموظف الذي يرافقنا ليس إلا متعاونا، انضم إلى المركز قبل سنة وأربعة أشهر، كما أخبرني، فكانت أهم خطوة في حياته إذ خلصته من الإدمان، ورغم أنه من أبناء المدينة المنورة، إلا أن وفاءه أبى إلا أن يرد الجميل.
دخلنا المطعم المجهز بأحدث الأدوات والأثاث، وأطيب الأطعمة، ومنه إلى عيادات الفحص الإكلينيكي، ثم إلى المسرح الذي يجرى عليه عدد من برامج التأهيل، وأطلعونا على ترجمة وطباعة 21 كتابا حديثا في معالجة الإدمان بطرق علمية دقيقة، كلها مجموعة واحدة طبعوا منها 3000 نسخة تنوي المؤسسة توزيعها مجانا على المراكز والمؤسسات المهتمة، وعزمهم على افتتاح عيادات في (الحوية).
.
كل هذا والدهشة لا تفارقنا مطلقا، وهمهمة الزملاء بغياب هذا الصرح المهم والهادف عن علم الكثيرين، ولم أستطع حصار أسئلتي المقلقة عن أمين ومدير المركز، اللذين أجابا بالنفي عن معظمها، فلم تزرهم محافظة الطائف، ولا أمانتها، ولم تعتبره السياحة معلما في احتفائيتها بعروس المصايف العربية، ولم يرشح هذا المركز الفريد لنيل جائزة مكة للتميز، ولم يسع إعلاميو الطائف على كثرتهم، ولا تلفزيونها ولا إذاعتها إلى إبراز هذا المعلم الإنساني العملاق، مع أنه وسام فخر على صدر كل مضيء.
نسأل باهتمام عن المسؤولية الاجتماعية لشركات ومؤسسات القطاع الخاص، وربما ليس العيب في الشركات، بقدر ما يكون متغلغلا في نسيج مؤسساتنا الإعلامية الهرمة، وإعلاميينا الذين اختزلوا مفهوم الإعلام في (الإثارة) والصراعات، حتى امتلأت أرواحنا يأسا وقنوطا فائقا، وأصبحنا لا نرى المصابيح المشعة في وطننا، ومركز رشد أول هذه المصابيح، فقد تجاوز ثلاث سنوات منذ تأسيسه، وكثير من أبناء الطائف لا يعلمون عنه شيئا، ناهيك عن أبناء الوطن، واللافت أن خدماته شملت متعافين من بعض دول الخليج.
البارِكون على الشمس!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
