من العجيب في حقل الدراسات اللغوية انصراف كثير من الدراسات اللغوية إما إلى الدرس اللساني الحديث أو تكرار بعض الأفكار والدراسات من التراث وترك مناطق في التراث لم تكن العناية بها على النحو المرجو ويمكن أن تكون الدراسة فيها ثرية وذات نتائج إيجابية.
ويُعد «الحديث الشريف» – كما يعلم الجميع - إحدى المواد اللغوية الهامة، ومصدرا من مصادر السماع الرئيسة، ومع ما يعرفه دارسو اللغة العربية والنحو العربي عن موقف معظم النحويين من الاستشهاد بالحديث الشريف؛ حيث لم يعتمد عليه معظمهم في بناء القواعد النحوية بصورة واضحة توازي كثرة الأحاديث الشريفة، وتعدد الظواهر اللغوية والنحوية فيها، وتنوع أساليبها اللغوية وثراءها، فإن «الحديث الشريف» قد حظي ببعض الاهتمام عند عددٍ من النحويين؛ حيث ورد في بعض مواطن الاستشهاد، كما جاء عند بعض النحويين على هيئة نصوص لغوية ونماذج يتم تحليلها، والوقوف عند ما يبدو منها أنه مُشكِلٌ، وهناك من أفرد كتابًا لدراسة بعض الظواهر النحوية في الحديث الشريف، ولعل كتاب «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» لابن مالك من أشهر المؤلفات في هذا المجال، وفي العصر الحديث أُلفت الكتب وعُقدت الدراسات حول الحديث الشريف والظواهر اللغوية فيه، إلا أنه ما زال في حاجة ملحّة إلى دراسات لغوية ونحوية رصينة وجادة تقوم حوله.
ونتذكر في هذا المقام قول الشاطبي «لم نجد أحدا من النحويين استشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم الذين يبولون على أعقابهم وأشعارهم التي فيها الفحش والخنا ويتركون الأحاديث الصحيحة لأنها تنقل بالمعنى وتختلف رواياتها وألفاظها».
ومن الطريف أيضا ندرة إن لم يكن انعدام المؤتمرات والملتقيات والندوات التي تجعل مادة الحديث النبوي الشريف منطلقا وموضوعا لها، في حين ترى التركيز منصبّا على لغة الشعر قديمه وحديثه وهو أمر يطرح كثيرا من التساؤلات حول سيطرة ذهنية التقليد بشكل واضح وسطوة منهج القدماء في الدرس اللغوي وهي السطوة التي أخذت لغويينا المعاصرين في طريقهم فكان هذا الاهتمام.
إنها دعوة إلى مؤسساتنا العلمية والجهات المعنية باللغة العربية ودراساتها وفي مقدمتها مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية أن تكون هناك عناية خاصة بالدرس البلاغي واللغوي للأحاديث الشريفة؛ فهي أحوج النصوص إلى هذا الاهتمام، وهي نصوص لغوية رفيعة، ولا بد أن نعترف بتقصير القدماء تجاهها، ونأمل أن نرى هذه النصوص ذات القيمة اللغوية العليا محلا للقراءة والتحليل اللغوي وفق أعمال مؤسسية وفردية ذات قيمة ومنهج؛ فهي أحوج إلى هذا من كثير من النصوص والأعمال الأدبية الحديثة الهزيلة التي نرى الباحثين يسارعون إلى قراءتها وتحليلها.