أحد الزملاء في العمل سأل عن كيفية النطق الصحيح لكلمتين باللغة الإنجليزية تتقاربان في النطق لكن معنى إحداهما سيئ والأخرى محايد، كلنا ظننا أنه يريد تعلم نطق الكلمة السيئة! لما قال لماذا أسأتم الظن بي؟ قلت: للأسف أحد أقبح العيوب لدينا في المجتمع أن معظم الناس لديهم خطاب مثالي يقدمونه للناس بينما لهم سلوك خفي يناقض مثاليتهم.
هذا التناقض الصارخ نجده في الكمية (المثالية) الضخمة المتداولة يومياً في وسائل التواصل الاجتماعي عن الحب والتواضع والخوف من الله والإحسان للناس وبر الوالدين، لكن سلوكهم اليومي بعيد أشد البعد عن مثاليتهم! كما كتب أحدهم في حسابه في تويتر أن يوسف عليه السلام لم يفخر بمنصبه وعرف نفسه (أنا يوسف وهذا أخي) فعلق عنده أحدهم، لماذا إذا لا تقتدي به وتحذف لقب (أ.
د) من حسابك في تويتر!أحد أكبر أسباب الازدواجية في السلوك هو ما ذكره عالم الاجتماع العراقي علي الوردي كثيراً في كتبه، أن المثالية في الوعظ لا تقود إلى تحسن مستوى الناس التعبدي، لأن الناس يرون نموذجا مثاليا جداً لا يمكن أن يحققوه فيقنعون بترديد المعايير المثالية جداً في مجالسهم لكنهم لا يطبقونها أبدا!أليس عجيباً في مرحلة التراجع في المستوى العام للتدين، راجت قصص وأخبار لعباد وزهاد لم ترد في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق!يقول البعض عليك من حُسن كلامي ولا تلتفت إلى سوء فعلي! لكن الله سبحانه وتعالى لما أرسل رسله كانوا نموذجا بشريا متحققاً ولم يكونوا مثاليين، لا يمكن أن أتقبل منك نصيحة عن تنظيم الوقت وأنت فوضوي!للأسف اعتدنا على منظرين مثاليين يرسمون مجتمعاً نموذجياً وفق أعلى المعايير، لكنهم يستمتعون بالعيش في مجتمع بعيد عن مثاليتهم، كما رفض أحدهم قيادة المرأة للسيارة في السعودية لكنه يسمح لزوجته أن تقود في أمريكا! وما فعله يؤكد المقولة المنسوبة لعلي الوردي أن العرب لو صوتوا سيختارون دولة دينية ولكنهم سوف يعيشون في دولة علمانية.
المثالية ليست في المجال الديني فحسب، بل حتى في مجال الاستشارات الأسرية وتنمية الذات والتعامل مع الآخرين.
.
وخطورتها أن تعود الناس على التكيف مع الازدواجية في السلوك وتجعلهم لا يشعون بأي حرج ولا تأنيب ضمير.
أحد تعريفات (النفاق) أن يكون لديك معايير تطبقها على من حولك ولكن لا تطبقها على نفسك، تخيل أن معظم الناس (وأنا منهم) لا يطبقون نصف ما يقولونه، ويعتبرون هذا شيئا مقبولاً.
لذلك من الأفضل، أن يكون لدينا خطاب واقعي نحققه بدلاً من خداع الناس بكلام مثالي ونحن ننتهكه ليل نهار!
خطورة المثالية في الطرح
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
