أثير مؤخرا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ما سبّبته الصحوة (فترة الثمانينات الميلادية التي أعقبت حركة جهيمان إبان احتلالها للحرم المكي مطلع القرن)، إثر موضوع سحب شهادة الدكتوراه من الزميل والأخ العزيز سعيد السريحي، والمطالبة بإعادتها له مع الاعتذار عمّا بدر من إدارة الجامعة بموافقتها على سحب الرسالة.
طوال تجربة سعيد السريحي العملية، ناقدا وكاتبا وصحفيا، لم يحتج هذه الرسالة ولا الاعتراف من الجامعة ولا من رموز الصحوة، وله فضل كبير في كل ما خاضه من تجارب ومعارك، ومن الإنصاف أن يقال له شكرا لأنك علّمت من احتاج أن يتعلّم وقدمت من يحتاج أن يُقدم كاتبا وشاعرا.
ما يستحقه السريحي الآن أن تقال كلمة واحدة تصدر من الجامعة التي لم تعطه حقّه أو بالأصح «سلبت» منه حقه الكامل أكاديميا وشهادته العلمية، أن تعلن الجامعة اعتذارها على ما حدث وما ارتكبته.
لكن من سيعتذر لمجتمع كامل؟ سُلِب حقه؟ من ينكر ممن عاش هذه المرحلة واعيا وعاقلا أن «هواة» الهزائم حاولوا الانتصار لأن الأرض مُهّدت لهم وأعطوا الطمأنينة كاملة ليأتي تيار كامل من الخلف، ويختطف الفن والأدب والمجتمع؟انتشر الرعب وقتها كانت جهنّم توضع أمامنا بأصوات مجلجلة وأخرجت السلاسل والعصي من جيوب الدعاة وأنصاف الدعاة، أخذوا الدين من قلوب أهله الطيبين وأودعوه أدراجهم ليحتكروا تفسيره وفهمه، ويصادروا على طريقهم ما اعتدنا عليه وفهمناه وسعينا إليه.
أغلقوا كل نوافذ الهواء لينتجوا لنا عشرات الجهاديين الذين ذهبوا ضحايا للجهلة والجهل، وكأن الإسلام لم يخرج من مساجد القرى وجباه الآباء ورقّة الأمهات ودعواتهن.
من سيعتذر ومتى؟ لم نسمع من أي ممن جاوز الثمانينات بأسمائهم المعروفة من قال كلمة حقّ واحدة، الحق الذي يدعونه، بأنه جرّ الأبناء إلى جحيم القتلة والقتلى.
لم نسمع منهم شيئا، حتى الذين تركوا «المشروع» وأصبحوا ليبراليين وعلمانيين وملحدين، منهم، الذين فجروا وقتلوا وعادوا، لم يعتذروا ممن قتلوهم، موتى وأحياء.
فترة الثمانينات هي المرحلة السمية بامتياز التي جاءت على كعبيّ جهيمان وجماعته، امتدادا للحركة التدميرية التي أنهكت المجتمع والثقافة، حيث أتيحت الفرصة كاملة لانتقام التطرف من حركة الحداثة وكتابها ومثقفيها، الانتقام من التطور الطبيعي الذي كان عليه المجتمع، الانتقام من السَّلم والثقافة والأدب والفنون كلها، الصحوة كما تم الاتفاق على تسميتها من داخل التيار نفسه، خطّط لها لتكون قبضة في رقبة الحياة المدنية، بالرغم من أن المجتمع بأكمله اعتاد العيش بسلام قبلها وسيعتاد السلام إلى الأبد متى ما تم التخلص من إرث هذه الحركة.
مشكلتها أنها زرعت الأفكار التدميرية نفسها التي يصعب الخلاص منها، امتدت من الصحوة إلى الجهاد إلى الوقوف ضد المجتمع والنظام في وقت من الأوقات، زرعوا كل البذور السميّة في المفاصل، المدارس والجامعات وأماكن العيش.
لا يمكن أن يكون الشخص بالمطلق ضد أشخاص أو تيار، لكنه حتما لا بد أن يكون ضد أي فعل غير سويّ ينال من حياة الناس وطبيعتهم وتطور الفنون والآداب.
الحداثة في ميزان الإسلام لا يمكن أن نحاسبه على أساس أنه مجرد كتاب، هو حركة انتقام مثلما قلنا، بامتياز، راح ضحيتها أساتذة ورجال معرفة وشعراء وكتاب.
تمت تصفيتهم معنويا وأكاديميا وأدبيا.
إنصاف هؤلاء الأشخاص تحديدا والمجتمع بشكل عام، يجب أن يكون بالاعتراف بأننا لم نواجه تيار الصحوة كما كان يجب أن نفعل لنتيح للمجتمع العيش، مثله مثل معظم المجتمعات.
إنصافهم يجب أن يكون بإعادة الاهتمام بالفنون والآداب والعلوم التي حوصرت في معاقل الصحوة، الأديان والأفكار والعلوم الإنسانية.
نحن جميعا كنا ضحايا؛ استطعنا المقاومة بشكل ما، لكننا نادمون على هذا الكسل الذي أصابنا في ثقافتنا، وجعلنا مشهدا متأخرا لما يمكن أن يكون عليه الإنسان المتأخر في فنونه وآدابه وعلومه.
ما يحتاجه السريحي، هو ما نحتاجه جميعنا الآن، ليس مجرد الاعتذار عمّا حدث، بل أن نحاسب من لم يعتذر تحت مقولة محمود درويش وشهادته «لا تعتذر عمّا فعلت»! بعد فوات الأوان.
إسلام الثمانينات في ميزان الحداثة الالكترونية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
