سألوم نفسي كثيرا لأنني لم أعرف أن صديقي الشاعر والمربي الفلسطيني مسعد زياد قد توفي إلا بعد مضي عامين على وفاته.
عرفت أخي وأستاذي الدكتور مسعد زياد عام 1410، وما زلت أذكر ذلك الصباح الجديد في حياتي، ذلك الصباح الذي أصبحت فيه معلِّما حين تجاوزت باب القسم الثانوي لمدارس الثغر النموذجية بحي الخالدية بجدة، وما إن قصدت الغرفة الصغيرة التي خصصت لمعلمي اللغة العربية حتى قابلني الأستاذ مسعد - ولم يكن بعد قد حصل على الدكتوراه - بابتسامة حانية حبيبة، وهي تلك الابتسامة التي ظلت مرسومة على وجهه كلما التقينا، وكأنه لا يعرف الحزن والألم، مع أن حياته، وهي حياة ملايين الفلسطينيين، كلها غربة عن الوطن والأرض، وحنين إليهما، لكنه كان يبتسم دون أن يتكلف الابتسام، ويضحك وكأنه لا يعرف إلا الضحك والفرح، وبين الابتسام والضحك كنت أديم النظر إليه، فإذا بحزن يظلل وجهه، لا يلبث أن يصرف شبحه عنه، فيعود إلى فكاهته وطرائفه التي لا حد لها.
جاء مسعد زياد إلى المملكة شابّا حديث عهد بإجازته الجامعية في اللغة العربية وآدابها، بعد أن حازها من جامعة الإسكندرية، وكان يحدثني كثيرا عن الإسكندرية وجامعتها وفتياتها الفاتنات، وكان يُدلِّ بأساتذته فيها، ويخص بالذكر العلّامة الدكتور محمد طه الحاجري، وكان في كل أحواله ممتلئا بالحياة، أنيقا في ملبسه، عفّ اللسان، مثقفا، أديبا شاعرا.
وكان مسعد في شعره مسكونا بفلسطين لا يكاد يعرف شعرا إلا ما كان ملتصقا بأرضها ومقاومتها، وكنت أقرأ في دواوينه روح شعراء الأرض المحتلة، ولقد كان وفيّا لمفردات أولئك الشعراء وصورهم وأخيلتهم، وربما لو تهيأ لمسعد زياد أن يعيش حياة تشبه ما هم عليه، لكان مقامه في الشعر كبيرا، ولكن حياته التي أعرف طرفا منها أنفقها في التعليم في غير ناحية من نواحي بلادنا، وكان كل همه أن يعيش عيشة مطمئنة يصرفها في تنشئة أبنائه وتعليمهم.
ومن أجل هذه الحياة انصرف مسعد عن شعره الثائر المقاوم، لكنه لم ينقطع عن العلم والثقافة والتحصيل، فحاز درجة الماجستير ثم أتبعها بالدكتوراه، وحين فرقت بيننا الأيام، كنت أبتهج كل الابتهاج حين أعرف أنه حقق شيئا من آماله في تأليف جمهرة من الكتب في النحو والصرف والإملاء، وأن تلك الكتب الكثيرة رضي عنها طلاب الدراسات العربية، وانتفعوا بها في حياة صاحبها، ولا يزالون ينتفعون بها بعد وفاته، وكلما قرأت ثناء طالب أو طالبة على هذا الكتاب أو ذاك، أقول: ربما كانت تلك الكتب التي سلبت مسعدا نور عينيه قد أسعدته وأفرحته، ولعله قد حقق بها بعض ما يرجوه، وعسى أن خفف بها شيئا من ألم المرض والغربة والحزن.
ذهب الذين أحبهم
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
