الاحتفاء الذي حظي به قرار مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي المتعلق بفرض رسم على الأراضي البيضاء في المدن والمحافظات كان مبررا على اعتباره انتصارا للضعفاء من الهوامير وتجار العقار الذين طغوا وبطشوا في الأسعار، القرار الذي صفق له السعوديون طوال الأيام الماضية في حال تم تطبيقه سيعالج قضية الاحتكار، ويحد من الارتفاع الباهظ في أسعار الأراضي، ويمكن اعتباره بمثابة الكي لجُرح أسعار العقار النازف، فالعرب تقول: آخر الطب الكي.
هذا القرار يعد الخطوة الأولى من عدة خطوات تعتزم الحكومة القيام بها لحلحلة أزمة السكن التي لا يمر حديث اقتصادي إلا وتكون حاضرة فيه، أثبت جدية الحكومة في حسم الملفات العالقة، والانتقال إلى مرحلة التنفيذ المباشر المحدد بفترة زمنية محددة، ويمكن تلخيص الهدف الرئيس منه في كسر احتكار القلة من تجار العقار وأصحاب النفوذ للأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني، وكسر القاعدتين المتداولتين عند تجار العقار «الأرض لا تأكل ولا تشرب»، «والعقار يمرض ولا يموت».
نتفق جميعا أن أمام القرار مراحل كثيرة يجب اجتيازها، وأنه سيمر بمرحلة مخاض وعصف ذهني للوصول إلى لوائح تنفيذية قابلة للتطبيق بشكل شفاف على الجميع، وأدوات فعالة وحاسمة للتطبيق، لا سيما أن قرار مجلس الوزراء لم يحدد تفاصيل وآلية التطبيق، بل ترك لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية حرية اختيار آلية تطبيق القرار وقيمة الرسوم التي سيجري احتسابها على الأراضي البيضاء، على أن يتم رفع ما يتم التوصل إليه إلى مجلس الوزراء تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشورى لاستكمال الإجراءات النظامية في هذا الشأن بشكل عاجل.
وأعتقد أن هناك كثيرا من النقاط يكتنفها الغموض، ويدور حولها نقاش وجدال في المجالس قد تحد من فعالية التطبيق، ليس تقليلا من فعالية وأهمية القرار، بل استباقا لتصورات وسيناريوهات محتملة يمكن أن تحد من فعاليته، بما أن المجلس الاقتصادي يضم جميع الجهات المعنية في تطبيق قرار فرض الرسوم، فإن هذه الصعوبات تجاوزها ممكن، منها: أولا: كيفية احتساب الرسوم على الأراضي البيضاء، هل سيتم تطبيق نظام شرائح متعددة مستوى الطلب في المدن الرئيسية عنه في المحافظات، أم سيفرض شريحة موحدة تطبق على الجميع، والمساحات التي ستكون خاضعة للرسوم، باعتبارها النقطة الأساس في هذا القرار، وكيف سيعالج الفروق بين المدن والمحافظات في المساحات والطلب، فمساحة الأراضي البيضاء المحتكرة في المدن الرئيسية كبيرة جدا، والطلب عليها مرتفع جدا مقارنة بالمحافظات والأطراف، وبالتالي فإن نظام الشرائح المتعددة الذي يراعي مدى قرب هذه الأراضي من مركز المدينة، ومدى قربها من النطاق العمراني هو الأنسب، كي يكون القرار فاعلا ويحقق هدفه.
ثانيا: ما يتعلق بآلية تحصيل الرسوم على هذه الأراضي وهي نقطة لا تقل أهمية عن سابقتها، وبالتالي من الأهمية بمكان تحديد الجهات المعنية بتحصيلها، وكيفية تحصيلها، وأين ستذهب هذه الرسوم؟ هل سيتم تحويلها لدعم موارد صندوق التنمية العقاري للمساهمة في الحد من قوائم الانتظار في الصندوق تبلغ أكثر من مليون مواطن، وهو الاقتراح الأقرب كونها فرضت لمعالجة مشكلة السكن.
ثالثا: تفعيل السجل العقاري، وإلزام ملاك الأراضي أيا كانت مساحتها بقيدها في السجل العقاري، وفرض غرامات مالية كبيرة على الملاك الذين لا يلتزمون بذلك، كون ذلك يسهم في معرفة جميع الإجراءات التي تتم مستقبلا على الأراضي من نقل أو تغيير، أو بيع، إضافة إلى الحد من التلاعب والتحايل الذي يمكن أن ينشأ من خلال تقسيم المساحات الكبيرة إلى مساحات صغيرة ونقلها صوريا بين أفراد العائلة، إذا ما علمنا أن التسريبات التي أحيط بها القرار توقع أن تكون ما بين 2 و5 في المائة، على إجمالي قيمة الأراضي، التي تزيد مساحتها على 10 آلاف متر، مما يعني إمكانية تقسيم الأراضي صوريا إلى مساحات أصغر من ذلك بأسماء وصكوك مختلفة.
رابعا: تحديد فترة لاستخراج رخصة وفسح البناء وتطوير المساحات الكبيرة من الجهات الحكومية المعنية، للحد من مماطلة التجار وأصحاب الأراضي والتهرب من سداد الرسوم، وتحميل مسؤولية تأخير البناء والتطوير للبلديات أو الجهات الأخرى، على ألا تتجاوز مدة استخراج الترخيص ستة أشهر سواء للتجار أو المواطن كما هو معمول به في دول خليجية مجاورة، وأثبت فعاليته في الحد من الاحتكار والمماطلة.
كيف يمكن تجاوز صعوبات فرض رسوم الأراضي؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
