الأمم مهما علا شأن تراثها الثقافي وفكرها الديني لا يمكنها أن ترتقي إلا بظهور وعي جديد يتحقق بالجدل بين الإنسان وواقعه وماضيه، وبينه وبين المغاير له والمختلف عنه. مثل هذا الجدل هو القادر على التحرر من التراث نفسه، بمعنى امتلاكه وتحقيقه ثم تجاوزه، وهذا لا يكون إلا بإعادة بنائه وإعادة تركيب العلاقة بين أجزائه من جهة، وبينه وبين مجتمعه من جهة أخرى بالشكل الذي يردّ إلى الوعي الجمعي تاريخيته مبرزا نسبية مفاهيمه ومقولاته.
في السنوات الأخيرة انتشرت الفوضى الدينية بشكل كبير، ساعدها في ذلك حالة الجمود الديني والفكري، والتي بات عليها الوضع الحالي. فقد أضحى كل فريق يرى أنه الصواب، والمجدد للدين، والمحيي لسنن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما تقف في الوقت ذاته المؤسسات الدينية موقف المتفرج، رغم كل المحاولات المطالبة بالإصلاح، إلا أنها حتى الآن لم تحسم قضية تجديد التراث الديني بما يتماشى مع روح العصر.
يجب أن نعترف أن كثيرا من منابرنا اعتلاها من ليس أهلا لها، يأتون بنصوص دينية يلوون عنقها، ويستحضرون آراء فقهية من فقه «البداوة والصحراء» الذي لا يتماشى مع عصرنا الحاضر. ذلك الخطاب الديني طيلة تلك السنوات كان خطابا ظلاميا قائما على تعطيل العقل والأخذ بإشعال العاطفة عند عامة الناس دون مخاطبة عقولهم، بمعنى أنه خطاب ديني يحدثك عن قرون مضت ولا يحدثك عن عصرك الحاضر، ونتيجة لذلك أصبحت آراء الشارع وتوجهات الناس مربوطة بالماضي، وهذا ما تكشفه لنا معظم أسئلة الناس في المحاضرات الدينية، كسؤال أحدهم: ما لون كلب أهل الكهف؟ هل كان أبلق بسواد؟ ماذا كان يلبس أهل السلف في عباداتهم وصلواتهم؟ هذه الأسئلة وغيرها المغرقة في «تفاصل التفاصيل» أشبه بما فعله بنو إسرائيل عندما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة، فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
لم يعد من المقبول قصر دور النخب الدينية على إصدار الأحكام والفتاوى والتوجهات الأخلاقية، وإنما يجب أن يتجاوز ذلك إلى الإسهام في تجديد الفكر الديني وممارسة النقد العلمي للتراث، والعمل على صياغة مشروع حضاري من شأنه أن يحقق التقدم والنهضة للمجتمع، مع الأخذ في الاعتبار أن الدين اكتمل من حيث الوحي والتنزيل، وليس اكتمال الفكر والفعل الإنساني الذي يخضع دوما لسنن التدافع والتغيير، فالواقع الإنساني على الأرض لا يتماهى مع النص وإنما يقترب من تحقيق معانيه أحيانا، ويبتعد أحيانا أخرى بحسب معطيات متعددة.
وهنا تحل مشكلة الشعور بالكمال والغرور الديني لدى بعض النخب الدينية، والتي تنتج صيغا عقدية مطلقة وغير قابلة للزيادة أو النقصان، ومن هذه الصيغ مفهوم «الطائفة الناجية» الذي سبق أن ظهر في كلتا الديانتين اليهودية والمسيحية، وكان له الأثر في تعميق وتأييد الصراعات الداخلية في كل منهما، بالإضافة إلى إضعاف قيمهما الإنسانية والروحية.
ختاما نقول: مع اتساع الفضاء وتعدد وسائل الإعلام ازداد أثر الخطاب الديني، فإما أن يكون رسالة حرب وعداء وعنف، وإما أن يكون رسالة محبة وسلام وتجديد.
خطابهم في الزمن الجديد!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
