في مكة خصوصية مهنة (الطوافة) بما فيها من بروتوكولات وتنظيمات تداولها جيل بعد سابقه حتى عاينها الناس اليوم بعيني متابع ومستشكل ومستثير تستحق وقفة بحث.
ما نعلمه عن (المطوفين) بعد أن أصبحت منظومة أعمالهم مؤسّسيّة الأداء بتوجيه ورعاية ومتابعة من وزارة الحج والجهات ذات الاختصاص أنّ طابع وراثتهم لهذا النسق هو المُمسك بزمام الاحتكارية حتى الآن.
ومن غير أن أكون طالباً لتغيير المتعارف عليه أو (المستحق) وفق اعتقاد أغلب من هو في هذه المهنة أو قريب منها أجدُ نفسي تأبى انحسار التفكير في الخيارات داخل صندوق (الطوافة) باعتبار العائلات والتصنيف التسلسلي.
ومجال ذلك أن نبتعد قليلاً عن احتمالية قياس توارث (الطوافة) على سدنة بيت الله الحرام لأن ذلك من قبيل تحميل الأمر أكثر مما يحتمل في إشراك مجرى لا مبرر له.
ثمّ إن خدمة الحجاج بالمقابل المادي وإن أقرتها تنظيمات الدولة قديماً خصوصية في (الطوافة) قابلة مثلها مثل غيرها من مجالات الحياة العملية لمؤسسات المجتمع المدني أن تعاد دراستها في طرح ذي أفق علمي وعملي يخدم المستفيد ويفيد الخادم بمنظور حرية الاختيار للعميل وحرية الانخراط للمستطيع صاحب الإمكانية الحرفية المهنية العصرية.
أما غير ذلك فهو منع التماس التجديد والتطوير إلا بأدوات لا يُتاح غيرها في فئة (المطوفين والمطوفات) وأولادهم ونحو ذلك، الأمر الذي يقلل من بدائل التجربة المعمول بها في كل الميادين الخدمية.
مقتنعٌ أنا بأن (الحج) ذو نمطية شرعية دينية تحتاج منا حساسية الماهر في معالجة الأمور وتطبيق الجديد وتطوير القديم وفق التحسين المستمر مستصحبين في ذلك حفظ الحقوق واستجلاء الأمور عن حق وبينة.
أتابع كغيري من الناس عبر الصحف أخبار انتخابات مؤسسات (الطوافة) وصولات وجولات وزارة الحج معهم في مشكلاتهم وأمورهم ومعطيات تحولات إداراتهم، وأجد في كل ذلك ما يشعرني بأن المجتمع بأسره (والمكي) بالذات يحتاج ونحن في عصر المعلومات أن تكون الحقائق التاريخية المنسجمة مع القانون والنظام واضحة له جلية للأفهام ليستطيع مواطن هذا البلد الذي يملك استدرار الأفكار المشاركة في صنع القرار ولو عن بُعد.
حججتُ وحجّ غيري، وعملت أيام الشباب الأول في خدمات الحج كغيري من أهل مكة أو المدينة، وشاهدنا وما زلنا نشاهد إفرازات (الاحتكارية) أن يكون الحاج تابعاً للمطوف الفلاني أو الدليل الفلاني أو الوكيل الفلاني رغم تواضع الخدمة وكثرة العراقيل ومعوقات المرونة وحرية انتقاء الأفضل من المستفيد نفسه أو من يمثله.
أحلم بيوم تنهض فيه وزارة الحج متحملة مسؤوليتها عن هذه الشعيرة ومن يؤديها ومن يقدم خدمات لهم مدفوعة الأجر لتضع خطة واضحة المعالم لإعادة دراسة نظام (المطوفين والأدلاء والوكلاء) وفق أسس علمية إدارية مجتمعية مهنية بعد أن تعتمد على نظام مرجعي قانوني من صاحب الصلاحية لتُخرج للعالم الإسلامي مهنية خدمة الحاج بما يتناسب مع عصر لم يعد يحتمل أنصاف الحلول.
دين الله يُسر، وشريعة ربنا مرنة التوافق، وليس (نظام أرباب الطوائف) بأحصن منعةً من الاقتراب أو إعادة النظر من (توسعة المسعى) ولا (طوابق المطاف) وقد قال صلى الله عليه وسلم (عرفة كلها موقف) وكرر صلى الله عليه وسلم يوم النحر على السائلين (افعل ولا حرج).
ومن هذا المنطلق والتثبيت للمبدأ الديني (حتى لا يتهمني أحدٌ بأنني أعتدي على حق ثابت رباني) تستطيع وزارة الحج أن تعالج مشكلة الازدواجية في مجال هو (نعمة من الله) لأهل مكة وتظهر للناس برنامجاً متطوراً في تنظيم مؤسسات خدمات الحجاج داخلاً وخارجاً لا علاقة لها بفرض نمطيات طقوس تبدأ بوكيل ثم مطوف ثم دليل.
وحتى لو فكرنا في المسميات ففي أذهان غالب الحجاج أين الطوافة وهم يطوفون بالكعبة وحدهم؟ وأين الوكالة وهم لم يوكلوا أحداً؟ وأين دليلهم وهم في قبضة الحافلات؟سياسة فرض الأمر الواقع وزخرفته ببعض لوائح وتنظيمات تدور في حلقة لا تملك الخروج منها بدت لي (في اعتقادي) ونحن نقترب من موسم الحج حرماناً لرافدٍ من روافد الاقتصاد في بلدي من التطوير والتحسين والتغيير بحجة (إنا وجدنا آباءنا على أُمَّة وإنا على آثارهم مقتدون).
أين المطوّف؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
