لا يتطلب الأمر أكثر من إنشاء حساب في تويتر أو الفيس بوك، خلال دقائق معدودة، وتطريز الخلفية بلوحة حزينة، ومكبلة بقيود، وبضع كلمات، “داخلن على الله ثم عليكم يا مسلمين تعتقون رقبة فلان بن فلان”، بهذه البساطة يستطيع أهل الجاني، المحكوم عليه بالقصاص، جمع دية المقتول التي تتعدى حدود الشرع والعقل، وتصل لملايين الريالات، مقابل العفو الاصطلاحي، وليس الشرعي، الذي دعا له الشارع المقدس.
ورغم تحذير المشايخ والدعاة والمهتمين بالشأن الاجتماعي المحلي، مرارا من هذه الحالة، التي اعتاد عليها البعض، لكونها متاجرة بالدم من ناحية، ولأنها تشجع على تفشي الجريمة العمد من جهة أخرى، فالقاتل المتهور يضمن أن وراءه المئات من أقاربه يستطيعون جمع ما يطلب من دية، ما جعل الدم رخيصا، وعكس ما أكدت عليه السماء “ولكم في القصاص حياة”، في حين سهلت مواقع التواصل الاجتماعي سرعة جمع الدية، بالاستعطاف تارة، وبوضع “الآيبان” للتبرع الفوري تارة أخرى، رغم مخالفة هذه الطريقة للأنظمة، التي لا تسمح بجمع التبرعات إلا تحت مظلة رسمية، وهناك عشرات الرقاب التي تنتظر تنفيذ حكم الله فيها، أو تخليصها بهذه “الفزعات”.
الباحث الاجتماعي الدكتور إبراهيم الصنبع أوضح لـ”مكة”، أن المبالغة في الديات لها آثار اجتماعية سلبية خطيرة، حيث تشجع الجاني على الشروع في القتل لأي سبب من الأسباب، لأنه يضمن أن هناك من أقاربه من سيفزع لنجدته وجمع دية المقتول، إضافة إلى إمكان الوصول إلى شخصيات تستطيع دفع أي مبلغ، وبالتالي فلن يرتدع، كما أن الديات تثقل كاهل أسرة الجاني التي تبحث عن حلول سريعة لعتق رقبة ابنها.
وأشار إلى أن دخول مواقع التواصل الاجتماعي وبخاصة تويتر على الخط في جمع الديات، ساهم بشكل كبير في تنامي هذه الظاهرة، وبالتالي تراجعت هيبة القصاص والخوف من السيف الذي يحفظ حياة الناس، ثم إن هذه الطريقة من المتاجرة بالدم، تشكل حالة حقد بين أفراد المجتمع، وتخلق طبقية، فهناك أسر لا تستطيع فك رقبة ابنها من السيف وتأمين الدية، ومن هنا تأتي الفوارق بين طبقات وشرائح المجتمع، معتبرا أن الشفاعة المقبولة هي التي تكون دون مبالغ مالية، ويكون فيها العتق لوجه الله تعالى، ولكن ما نراه اليوم لا يتوافق مع ما يدعو له الشرع والنمط الاجتماعي.