أعلم أني بهذا المقال قد أعكر مزاج الكثير من الأحبة العاطفيين السعوديين والعرب، ممن يرون أن البرنامج شبه الوثائقي، والذي أعده وقدمه الأستاذ عيد اليحيى على شاشة «العربية» تحت عنوان «على خطى العرب»، قفزة نوعية في محاولات تدعيم أسس التاريخ العربي.
ولكني أراه أتى بطريقة كلاسيكية ملمعة يقصد منها تهييج المشاعر، ورسم المعاني الوردية الجميلة عن العربي، بصفات الشجاعة والكرم والوفاء والفطنة والبطش بالعدو، والذود عن الجار، وغيرها من تلك الصفات الحميدة، وبانعدام كامل للحيادية، وبغواية تتبع مقولات الشعراء المتميزين بالمبالغة، والفخار، فكأن العربي القديم مخلوق لا يأتيه الزيف من أمامه ولا من خلفه.
كما قام البرنامج بتزيين مجريات التاريخ بصياغات عاطفية، اعتدنا على اجترارها في روايات الحكواتية، والتي لم تكن إمكانيات زمنها قادرة على تأكيد المعلومة، والتاريخ، والجغرافيا فيها بشكل دقيق أمين، وبعيد عن الخيالات والعواطف.
فظهر البرنامج بشكل مختلف عما سطره المؤرخون الأوائل مثلما وجدنا في مقدمة ابن خلدون الشهيرة، التي رسمت الخطوط العريضة لصفات العربي القديم، سواء كان من أهل السواحل أو الأودية والجبال، أو الصحراء.
ولعلي أعطي أخي يحيى سبق المحاولة، والاجتهاد، ولكني كنت أتمنى أن يتم ذلك متوافقا مع إمكانيات عصرنا التقني برصد تاريخي أمين، وبشكل علمي أكثر واقعية، وباستخدام كافة الموارد العلمية الحديثة، التي لن تعجز قناة غنية مثل العربية عن استحضارها، بحيث لا يعم الخيال والترقيع في مجال سيصبح يوما تاريخا للأجيال القادمة، والتي بالتقادم ستعتبر الفيلم (الوثائقي!) مصدرا تاريخيا إنسانيا جغرافيا بيئيا أثريا.
لماذا لم تقم على هذا البرنامج إحدى الجامعات السعودية، بجهود علمية بحثية، وبالاستعانة بعدد من العلماء العرب في كافة المجالات، التي من شأنها إضفاء المصداقية الكاملة على جميع أجزاء العمل.
علماء الآثار والتاريخ يجب أن يقولوا كلمتهم المحققة الأمينة، ومن غير المنطقي على سبيل المثال لا الحصر أن يقوم الفيلم بعرض بعض الشظايا من الجرار، وقطع من الزجاج الملون، دون دراسة لعمرها الزمني، للتحقق من أنها تحكي عن نفس الحقب الزمنية، التي قام البرنامج بتحديدها، وليتم إثبات أن معركة تاريخية عظيمة مثل معركة (ذي قار)، مكذوب علينا تاريخيا فيها، وأن البرنامج وبكل بساطة قد صححها، ونقلها من أرض الحيرة (العراق)، لتصبح قريبة من مدينة القريات، وعلى بعد مئات الكيلومترات، هكذا وبثقة لا تقبل النقاش، من قناعات معد البرنامج، رغم أننا في عصر تقني لا يمكن استبدال أو حجب أو تزوير الأثر والتاريخ فيه.
معركة كهذه فيها من المعدات الثقيلة والسلاح والدروع والعتاد أكثر مما تثبته قطع الجرار والزجاج.
وهذه الحادثة مثال بسيط، مما يدل على أن الحمية والرغبات هي ما حركت نوايا ومعاني وتعبيرات الفيلم، وجعلته يداعب مشاعر المشاهدين، دون التزام بالأمانة والحقائق العلمية ولا بمهنية البحث، للأسف.