عندما تحرك الخليجيون وأيدتهم مصر والأردن والمغرب والسودان من الوطن العربي، وشاركوهم فعليا في عاصفة الحزم، استبشر العرب الغيورون على عروبتهم ومنطقتهم استبشارا عظيما، ووسع قرار القوة العربية المشتركة في جامعة الدول العربية أفق التفاؤل، رغم أن علامات الاستفهام لا تزال قائمة وقاتمة في اعتراض بعض الدول العربية على عاصفة الحزم، وتبريرهم ذلك الاعتراض بتقديم الحلول السلمية، علما بأنهم لم يحركوا ساكنا واليمن تتهاوى أمام برودهم، وإيران تملأ شعابها وجزرها ومدنها وصحاريها وجبالها بالأسلحة النوعية التي تقوي الحوثيين (الفرس).
لا عذر مطلقا للدول العربية التي لم تشارك ولو رمزيا في عاصفة الحزم؛ فالقضية عربية بامتياز، واستغاثة الرئيس اليمني بأشقائه تكفي لأن يهب كل العرب دون استثناء لنجدته، فقد صرح الرجل بوضوح أن الحوثيين ومن شايعهم ينفذون أجندة دولة من قومية أخرى، يعلم كل العرب نواياها وأطماعها المغلفة زورا بالمذهب، فما عذر سلطنة عمان التي شذت عن إخوتها الخليجيين، وما عذر الجزائر وتونس، كان يجب على الأقل أن يدعموا عاصفة الحزم إعلاميا وسياسيا، أما العراق فقد أغرقته إيران في قوميتها ولم يبق من عروبته إلا اللغة العربية، ولا يستبعد أن تتحول يوما إلى اللغة الفارسية، وسوريا ما زالت جملة ناقصة دون خبر.
بعض العرب للأسف ينتقدون عاصفة الحزم، وينظّرون بلا منطق، وكثيرا ما قرأت في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي: لماذا لم تحرك هذه القوات لتحرير فلسطين؟ وكأن هؤلاء المتفلسفين من كوكب آخر، وكأنهم مبتورون عن وطننا العربي، فلا تزال إسرائيل في نظر العرب عدوا يحتل فلسطين، ولا تزال فلسطين في عيون العرب وطنا سليبا يجب استرداده، وقد حاول العرب مرارا تحريرها؛ لكن أين الصف العربي الموحد؟ فعاصفة الحزم تولّدت من انهيار هذا الصف، حتى لا تُصنع فلسطين أخرى عندما تحتل إيران اليمن، وتتمزق الأمة أكثر.
البعض أيضا يقول إن الحوثيين عرب، ولا غبار على ذلك، لكن أي عروبة لمن تنصل من عروبته، وائتمر بأمر قومية أخرى، وأرغم أبناء بلاده على التنكر لعروبتهم، وأهدى قُطرا عربيا بكل مكوناته القومية والثقافية والتاريخية إلى قومية أخرى؟ ألا يعتبر خائنا من يتدنى إلى هذه الدرجة من العمالة؟وكثيرون ـ أيضا ـ يرون أن عاصفة الحزم دينية مذهبية، وقد أغمضوا أعينهم عن أهدافها المعلنة، وتجاهلوا أنهم بهذا التنظير يصبون الزيت على النار، ويشقون بعواطفهم الدينية المشتركات الوطنية والقومية بين سنة العرب وشيعتهم، فعاصفة الحزم جاءت استجابة من الدول العربية إلى استغاثة الرئيس اليمني الشرعي، ضد جماعة إرهابية تنفذ أجندة لقومية ليست عربية، في بلد عضو في جامعة الدول العربية، ووجب على العرب تلبية استغاثة الرئيس وإنقاذ اليمن وعروبتها، وإعادة الشرعية إليها، حتى تعبر اليمن هذه المحنة الرهيبة إلى بر الأمان ضمن سياقها العربي، بعيدا عن كل حسابات أخرى يحاول الآخرون اصطناعها وإيهام الرأي العام بها.
لسنا في حرب سنية شيعية؛ لأن هذا ما يريده الغرب وتغذيه آلته الإعلامية، وتكفي الخديعة الأمريكية الكبرى في التقائها مع إيران في اتفاق «لوزان»، وترقيعات أوباما بتصريحاته تجاه دول الخليج بعد الاتفاق تؤكد بجدية أن المنطقة مقبلة على تحديات عميقة، فالمتابع الحصيف لتحركات الأمريكيين منذ أحداث 11 سبتمبر يجدها سياسة ثابتة تزيد ضغطها على دول الخليج باطراد، وتخفف من اعتمادها عليها، وتسير قدما في مشروعها المعلن (الشرق الأوسط الكبير) الذي لم تتحدد ملامحه بعد، فيكفي إيران حصولها على هذا الضوء الأخضر الساطع في ملفها النووي، في خضم حراكها المريب في المنطقة العربية، وتدخلاتها السافرة في شؤون العرب الداخلية، والصمت الأمريكي عن هذا الحراك، وإذا كان هذا الحراك في فترة الحصار الاقتصادي الخانق، فمن يتنبأ بما تنويه إيران وقد عادت مواردها الاقتصادية إلى التدفق.
هنا المحك الحقيقي للحكمة العربية والخليجية، التي يجب أن تتحرك عاجلا إلى بناء استراتيجيات حقيقية ذكية لتأمين المنطقة من الداخل والخارج، وتقليل الاعتماد على الشريك الأمريكي الذي أثبتت المواقف انحيازه المكشوف لمصالحه الخاصة وأمن إسرائيل، وخذلانه لحلفائه الخليجيين، فلا يخفى على المتابع العزف الأمريكي على وتر الطائفية منذ غزو العراق ونشاطات الحاكم العسكري بول بريمر، وبناء رهاناته على طرف بعد كراهيته العميقة للطرف الآخر، وربما لا يزال تعبير «الحرب الصليبية» الذي زل به لسان جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر يغذي في دماء الأمريكيين خلايا الانتقام من المنطقة التي خرج منها مهاجمو البرجين، لكن مع هذا فكلنا ثقة بحكمة قيادات المنطقة السياسية والفكرية والثقافية في اجتياز أمواج المرحلة القادمة بسلام، وقطع السبل على صنّاع اللعبة، والاعتماد على أنفسنا في صياغة وصناعة مستقبل منطقتنا.