ظلت أمريكا ومعها الدول الاوروبية واسرائيل تتخوف من توسيع دائرة الحرب في سوريا لتشمل المنطقة برمتها منذ اول يوم من اندلاع الحرب في سوريا، حتى بابا الفاتيكان راح يدعو ويقيم الصلوات مع حشد من اتباعه من اجل عدم انتقال تلك الحرب الى خارج حدودها، وكذلك فعل بعض قادة الدول العربية، حينما أبدوا مخاوف حقيقية من انتشار عدوى الحرب السورية الى دولهم
وعندما عزمت امريكا على معاقبة النظام السوري وحركت اساطيلها الحربية الاربعة قبالة السواحل السورية واللبنانية في البحر الابيض المتوسط، لتوجيه ضربة عسكرية قاصمة لمواقعه الحيوية، ظن الناس ان امريكا اخيرا تعاطفت مع نساء واطفال سوريا الذين يتعرضون الى الابادة على يد بشار الاسد منذ ثلاثة اعوام وان نهاية هذا المجرم باتت وشيكة، ولكنها في اللحظة الاخيرة تراجعت عن قرارها، وعادت الى مواقعها بعد ان حققت هدفها الذي جاءت من اجله وهو تدمير اسلحته الكيمياوية، وتبين انها لم تحرك قواتها حبا في الشعب السوري أو خوفا عليه، او من اجل انهاء الحرب الدائرة في هذا البلد المنكوب، أو لكي لا تتوسع وتخرج عن مسارها الداخلي، بل خوفا على امن اسرائيل وسلامتها، رغم ان امريكا تدرك تماما ان الاسد لا يجرؤ ان يستعمل اسلحته ضدها ابدا، ولكن الزيادة في الاحتياط واجب مثلما يقولون
لقد فعل النظام المجرم كل ما يستطيع ضد شعبه المسكين ولم يقف عند حد، هاجمه بالبراميل المتفجرة والقنابل الكيمياوية واباد الالاف في مشاهد دراماتيكية على مسمع ومرأى من العالم، ولكن المجتمعين الغربي والعربي وقفا عاجزين عن فعل شيء بسبب الخوف من توسيع الحرب الى الدول المجاورة
تمادى المجرم في غيه وحاصر مدينة حمص وشدد عليها ومنع عنها الماء والدواء والمواد الغذائية ومات من جراء الجوع والعطش والمرض الكثيرون، والمجتمع الدولي مازال على موقفه المتفرج الخائف من تمديد رقعة الحرب الى المنطقة

ورغم ان شرارة الحرب وصلت فعلا الى العراق ولبنان، ولكن مع ذلك مازال المجتمع الدولي خائفا من توسيع دائرة الحرب، ومازال المجرم طليقا
وقد كرس المحور الداعم للنظام السوري «ايران والعراق وروسيا» هذه المخاوف «الدولية» وحولها الى ورقة سياسية رابحة لصالحه، وعمل جاهدا على توسيع نطاق الحرب في سوريا لتشمل المنطقة بأكملها ولتتحول إلى حرب «شيعية» مقدسة ضد بعض الدول السنية المؤثرة في المنطقة (قطر والسعودية وتركيا) التي تتصدى لأطماع دول المحور التوسعية، وبحسب بعض المحللين والمراقبين السياسيين ان الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني الى المرجع الشيعي علي السيستاني في النجف في 27 من شهر نوفمبر من 2012 كانت لغرض الحصول على فتوى منه تصور ما يجري وكأنه حرب مقدسة للطائفة الشيعية في مواجهة الدول السنية
وقد ظهرت بوادر هذه الحرب «المقدسة» في العراق ولبنان والبحرين واليمن ومناطق اخرى بقوة، وستمتد اكثر فاكثر حتى تطال العالم الاسلامي برمته، ان لم يصحُ المجتمع الدولي من غفوته، ويضع حدا للخروقات اللا إنسانية التي يمارسها «الأسد» بحق السوريين، ويتبنى موقفا مسؤولا ازاء الدول الداعمة له والميليشيات الطائفية المتخندقة معه مثل «حزب الله» اللبناني و»لواء الفضل عباس» العراقي وتنظيم «جيش المختار»
هذا الموقف اللا مسؤول للمجتمع الدولي من الحرب في سوريا، دفع برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى فتح جبهة عسكرية جديدة ضد المكون السني في العراق بحجة الارهاب، التهمة الجاهزة ضد قادة السنة حصرا، وذلك لكي يخفف من وطأة الحرب عن النظام السوري، أولاً، وبدافع انتخابي، ثانياً، ليجتذب اصوات الناخبين الشيعة في الانتخابات التشريعية القادمة التي ستجرى في نهاية شهر ابريل المقبل
وما يدهش له أن أمريكا في خضم حرب المالكي ضد أهل مدينة الأنبار السنية، تقرر فجأة تزويد العراق بطائرات الأباتشي! في مساهمة مباشرة منها في حسم المعركة لصالح المالكي وجيشه، وتوسيع رقعة الحرب في المنطقة، وهنا يبرز السؤال: لماذا يتم إمداد العراق بالأسلحة الآن، مع أنه قد عقد صفقة سلاح مع امريكا بقيمة 5 مليارات دولار عام 2009 لتزويده بأسلحة وتجهيزات عسكرية؟ وقد زودته أمريكا ببعض الاسلحة الخفيفة من قبل ولكن لم تصل الى طائرات حربية متطورة، مع ان العراق طالب بها مرارا وتكرارا من قبل، ولكن جوبه بالرفض والمماطلة من جانب الامريكان
وهنا نصل الى حقيقة غاية في الاهمية وهي ان استراتيجية الدول الغربية واسرائيل، تقتضي اشتعال المنطقة العربية بالحروب والازمات والانقلابات والمصادمات المذهبية والعرقية والقبلية للفترة القادمة، بحيث لا تتوقف لحظة عن انتاج الصراعات الملتهبة، ومن اولويات تلك الاستراتيجية؛ توريط المنطقة برمتها في هذه الازمات والصراعات، فيتقاتل الكل مع لكل، وينشغل الكل بالكل، وثورات الربيع العربي أكبر مثال على ذلك، فلم تكن مصادفة ان تنتقل أزمة تونس بسرعة البرق الى «مصر وليبيا واليمن وسوريا» وتتسبب في تداعي العروش وتساقط الرؤوس الكبيرة وتنتشر الفوضى في كل مكان

أليس هذا ما كان ساسة الغرب ومنظروه يطلقون عليه «الفوضى الخلاقة»؟! مشروعهم السياسي لمنطقة الشرق الاوسط الآن ولحقب أخرى، ومن ابرز ملامح هذا المشروع؛ اندلاع حرب طائفية شعواء بين السنة والشيعة

وقد انطلقت اولى شرارتها في سوريا وامتدت الى العراق