ابتدأ حلم البشرية بغزو الفضاء منذ الأزل، فقد كان لبعده السحيق، وتمنعه على المقدرة، والحس، والفكر ما يجعله مصدراً غنياً يفيض بالأحلام، والخرافات، والتنبؤات، والعلوم
وقد ارتبط حسياً وعقائدياً بالخوف الإنساني، فارتبطت به الشعوذات والأديان
وتناغم مع الطقس، والتغيرات المناخية، ومع الكوارث، التي كانت تحدث على وجه الأرض، فزاد غموضه، ورهبته، وكثرت وتعددت وسائل البحث، والتقصي عن حقائقه
وظل الفضاء عصياً، مليئاً بالتكهنات، حتى تمكن البحار البرتغالي (فرديناد ماجلان)، 1521م، من إثبات كروية الأرض، كنقطة للبدء، وبعد ذلك قام الفيلسوف عالم الفلك (جاليليو جالولي)، 1612م، بإثبات دوران الأرض حول الشمس
وتوالت بعد ذلك الاكتشافات الفلكية، وتعاظمت، مما ساعد على تحديد كنه الوجود الفعلي للإنسان، على الذرة الزرقاء المستديرة، وكيف أنها تدور حول شمس، أضخم منها بمليون وثلث ضعف، وسط مجموعة الكواكب الشمسية، والتي لا تعتبر شيئاً يذكر في عظمة (مجرة اللبانة)، والتي تحتوي على ما بين (100 – 400)، مليار نجم، وتكاد لا تذكر بالنسبة لمجموعة مجرات الكون، المقدرة بمئتي مليار مجرة، زيادة على ما فيها من السحب الأيونية، والسدم، والثقوب السوداء
وقد أبدعت الدول العظمى في القرن العشرين، بما عرف بغزو الفضاء، فحميت المنافسة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية كجزء من معطيات (الحرب الباردة)، يتمحور مداها في التسابق علي احتلال أكبر حيز من الفضاء عن طريق الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء المأهولة وغير المأهولة، كاستعراض للقدرات العلمية والتقنية لكلتا الدولتين
فأطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر اصطناعي (سبوتنك/1)، 1957م، ثم توالى التحدي بين الدولتين، حتى وصل إلى إرسال أول بشر إلى الفضاء، فيكون الأمريكي (نيل آرمسترونج)، 1969م، أول إنسان يضع قدمه على أرض القمر، ويطبع آثار أقدامه على تربته، ويقول مقولته الشهيرة: هذه خطوة واحدة صغيرة لرجل واحد، وقفزة عملاقة للبشرية
وبعدها استطاع الإنسان أن يرسل مركبات غير مأهولة إلى أغلب الكواكب في المجموعة الشمسية، ومنها كوكب (المريخ) الأحمر، وما زال السباق حامياً بين عدد كبير من الدول، والتي تخلت عن المنافسة الأحادية، وعقدت الكثير من التكتلات العلمية التقنية الفلكية الدولية، ليكونوا أكثر رقياً، وتركيزاً على الأهداف في محطات فضائية مشتركة
فكأنما الإنسان يُكمل الحلم البشري القديم، بمحاولة البحث عن إجابات لتساؤلات أزلية مهمة مرتبطة بوجوده وماهيته وأهميته في هذا الكون العجيب
وبفضل المنظار الفضائي العملاق (هابل) أبريل عام 1990م، اتسع المنظور الشاسع الرهيب، ودنت الصور، واتضحت جزيئاتها، وتعددت الرؤى، وتبينت ضآلة ما كنا نعتقد أنه مركز للكون
ومع زيادة الاكتشافات تزداد التساؤلات، فهل نحن بمفردنا؟ وهل هنالك كائنات ذكية غيرنا في هذا الكون؟ وهل نحن أذكياء؟ وهل يوجد أي شكل من أشكال الحياة على كوكب غير أرضنا؟ وهل من المعقول أن يكون الفضاء بعظمته خالياً من سوانا؟ وإذا كان هنالك مخلوقات ذكية، فلماذا لم تتصل بنا حتى الآن؟وبدأ البحث عن مخلوقات رغم أن أبرز الفيزيائيين العالميين الإنجليزي (ستيفن هوكنج)، يقول: من الأفضل عدم المحاولة للاتصال بالكائنات الفضائية، إن كان لها وجود، لأن نتائجه على سكان الأرض ستكون مشابهة لنتائج وصول (كولومبس)، لأمريكا، (مشيراً إلى ما حصل لسكان أمريكا الأصليين)
وهل لو حصل ذلك سيتحد البشر فيما بينهم، ويقفون صفاً واحداً ضد الهجمة الفضائية، أم إنهم سيخونون، ويتفرقون، ويكونون حرباً على بعضهم؟ويا ترى، ماذا سيكون دورنا نحن العرب في ذلك؟ وهل سنتمكن من التخاطب مع الغزاة، أم إنهم سيصنفوننا في مرحلة أقل بكثير من بشرية من سيتخاطبون معهم، وعندها قد يتم الخلط بيننا وبين أصناف أدنى؟ وهل سيفيدنا بترولنا، وأموالنا، التي رغم ما تكيله لنا من تخلف، ما زلنا نتبجح بها، ونصرفها بصلف وأريحية في كل اتجاه، إلا في الاتجاهات العلمية؟فأين نحن، وأين شعوب غزو الفضاء؟الأجيال القادمة لها كل الحق في أن نعمل لها ما يرفع من شأنها بين الأمم، وأن نكون مؤثرين في محيطنا، وفي الآخرين
وهذا لن يتم مع مستويات تعليم متردية، وأدلجة طلاسمية غير مجدية، فنحن بحاجة للبدء من جديد، وعدم تصنع الكمال، والنظر لأنفسنا لتعديل ما بنا من اعوجاج، وبعد ذلك، فلا بد أن يأتي منا من يتمكن من مواكبة الحدث، والتفكير، والعمل، فيما فكرت وعملت به شعوب العالم، منذ الحضارات القديمة، ولا تزال، ونحن للخلف در
الحلم الإنساني.. للخلف در
شاهر النهاري4 دقائق للقراءة

حجم الخط
