ان الصحة العقلية مبدا غامض في افضل حالاته و وفقا لمعدلات الانتشار السنوية التي يقدمها احدث دليل تشخيصي و احصائي من الجمعية الامريكية للأطباء النفسيين، ان الأشخاص في كل من أمريكا الشمالية و أوروبا يعانون من الحالات النفسية بمعدل حالتين و نصف الحالة في العام تقريبا.
ما يقترح اننا كلنا مجانين او ان الجمعية الامريكية للأطباء النفسيين مجنونة.
من غير المفاجيء ان يعاني على الأقل 10% من الأطفال، بما ان الطفولة هي أساس الرشد، في بريطانيا من "اضطرابات نفسية قابلة للتشخيص" ان اردنا استعمال عبارة تفضلها الصحافة.
انا متفاجئ من ان النسبة قليلة نظرا الى الطريقة التي يتم تشخيص الاضطرابات العقلية بها، و هي اقرب الى القائمة.
أي يمكن الحصول على أي عدد ترغب به باستخدام المنهجيات الصحيحة.
و لهذا ينبغي علينا ان ننظر الى "الازمة" في الصحة العقلية بعين الحذر و الشك.
و على الرغم من ذلك، تقترح المراقبة العرضية النتائج ذاتها التي توصلت اليها الدراسات، ان الأطفال في بريطانيا يعانون من وجود اصعب و اقل مقارنة بالأطفال في أي من دول أوروبا.
يبدو ان البريطانيين اكثر من أي اشخاص اخرين اعرفهم يشعرون بالخوف من أطفالهم ، حيث يبدو انهم غالبا ما ينكمشون بسببهم في الشوارع.
و أرى ان طريقتهم في – التربية – تبدو كإهمال يتخلله الافراط و نوبات من الغضب.
لم أرى من قبل قط في اي مكان اخر مثل هذا الانكماش العلني الذي تشعر به النساء الصارمات بسبب الأطفال كما في بريطانيا.
فالشعور بالحنان تجاه الأطفال اقل بكثير في الواقع من فرنسا على سبيل المثال.
ربما لطالما كان الامر كذلك لاسباب ثقافية عميقة.
لكن الأطفال هذه الأيام معرضون لضغوط تتسبب بتشكل عادات جديدة تتراكم عليهم.
على سبيل المثال، نادرا ما يتناول عدد كبير من الأطفال البريطانيين وجبة مع فرد اخر من عائلتهم و لذا فهم يتعلمون تناول الطعام غالبا دوما بانعزالية و يتناولون الوجبات السريعة و الجاهزة تقريبا طوال الوقت.
كما كشفت دراسة موجزة حول النفايات في الشوارع و التي جعلت من بريطانيا سلة مهملات أوروبا، كشفت الحقيقة الجديدة حول الشخصية الوطنية، و هي ان شارع الرجل الإنجليزي هو غرفة طعامه.
و أظهرت تجربة تم اجراؤها في مؤسسة Feltham Young Offenders Institution للاحداث الجانحين، ان المكملات الغذائية من الفيتامينات في وجبات السجناء الحديثين قد خفضت من المشاكل الانضباطية بشكل كبير جدا: بمعنى اخر، انهم كانوا يعانون من سوء تغذية عند وصولهم.
و ذلك لا ينعكس بشكل جيد على الامومة البريطانية، و ان الفشل في تعلم كيفية تناول الطعام كنشاط اجتماعي ليس بالامر الصغير.
من بين أمور أخرى، يعلمنا الأسلوب البريطاني القصير و الانعزالي و القذر في تناول الطعام ان الشهية في اللحظة ذاتها هي ما ينبغي عليه تحديد تناول الشخص للطعام من عدمه: وبما ان الشهية تنمو مع تناول الطعام، فمن غير المفاجئ ان تنتج معدلات مرتفعة من السمنة.
بريطانيا هي الرجل السمين في أوروبا.
ان نمط البنية العائلية، ان كان هذا هو المصطلح المناسب، مسؤول جزئيا عن طريقة تناول الطعام الانانية في بريطانيا (الصيد وجمع الطعام).
يقال ان ثلاثة ارباع الأطفال البريطانيين يمتلكون تلفازا في غرفتهم.
ان كان ذلك صحيحا، فعدد الأطفال الذين يمتلكون هذه التلفزيونات اكثر من ابائهم الذين يعيشون في المنزل.
ان موضوع الابوة موضوع حساس: حيث اصبح السؤال عن هوية والد الطفل في بعض مناطق البلاد امرا فظا.
فلاكثر من مرة، وعندما أقوم بسؤال طفل ما عن هوية والده يجيب "هل تعني والدي الحالي؟" بالطبع ليس كل ازواج الأمهات سيئين، بل ان الاغلب ليسوا كذلك.
الا ان هنالك القليل من الشك بأن ازواج الام التسلسليين ليس بالتنظيم المثالي من وجهة نظر الطفل.
تينا ناش، قد كان لها طفلين لكل منهما اب مختلف حين التقت بشين جنكن.
قالت تينا في سيرتها الذاتية انها احبتهما و لا شك لدي بذلك، ما يجعل القصة التالية تكشف عن عدم كفاءة الام الصادم و الذي لم يصدر عن افتقارها الى الذكاء.
حيث لم يمنعها حبها لطفليها من تركهما في احد الليالي تحت رعاية جنكن، رجل معتل نفسيا و تعرف انه قد قضى أربعة سنوات من قبل في السجن لتسببه بضرر دماغي شديد لاحد الرجال، كما يقضي اوقاته بمشاهدة مقاطع العنف، و كذلك يتصف بالعديد من الصفات المريعة الأخرى كضربها امام طفليها.
كانت ثملة للغاية عندما عادت منزلها تلك الليلة و توجهت الى سريرها لدرجة لم تعلم انها تقيئت في سريرها عندما استيقظت.
بعدها توجهت الى الطابق السفلي لتجد جنكن برفقة امراة أخرى.
لم يخطر ببالها لمرة واحدة من قبل ان هذه ليست الطريقة المثالية لتقديم طفليها الى الحياة، على الرغم من انها احبتهما بصدق، فلو لم تفعل لكانت القصة اقل صدمة.
على الرغم من ان هذه القصة متطرفة في محتواها، الا انها ليست غريبة بشكلها باي حال من الأحوال.
من الملهم خروج العديد من الأطفال من خلفية مثل تلك دون اذى نسبيا، لكن ظهور الكثير من الأطفال عكس ذلك ليس بالامر المفاجئ.
ان افتقار الإباء للفطرة السليمة امر يذهلني.
بالطبع هنالك مصاعب أخرى قد يضطر الأطفال الى مواجهتها.
فاي شخص سبق له متابعة قسم التعليقات بعد نشر مقالة ما سيكون قد لاحظ مدى سرعة و غالبية تدهور هذ النقاشات الى اساءات و اهانات دنيئة، و هي غير موجهة الى كاتب المقالة بشكل خاص او حصري، بل الى المعلقين الاخرين.
و ان كانت هذه هي القدرة التي يستخدمها من يفترض بهم ان يكونوا بالغين و ناضجين لايصال أفكارهم الى العالم، فمن غير المفاجئ ان يقوم الأشخاص الغير ناضجين و صغار السن باتباع حذوهم و اخذ ما يكتب بشانهم على محمل الجد.
بكلمات أخرى، ان معظم الفوضى العاطفية في الأطفال الصغار، و التي كما يقال ازدادت في السنوات الأخيرة، ليست نتيجة مرض حقيقي يمكن تشخيصه عبر القوائم الالية، بل عبر الطريقة التي نعيش بها و نربي أطفالنا بها و من خلال الضغط الذي نلقيه على كاهلهم و القيم التي نعرضها عليهم و نعرّضهم لها.
و توقع ان يقوم الطبيب النفسي بإزالة كل الضرر الذي الحقناه هو اطراء لأهمية ذاتهم و قدراتهم المفترضة و بالطبع فرص العمل، الا انه امر غير واقعي و مؤذ باثاره الثقافية التي تنتهي بالتهرب.
عمليا، على الأرجح قد يقود الامر الى تخدير جماعي للأطفال.
المصدر: Spectator