أيقن محمد في نفسه أنه أخطأ في حق زميله صالح، صديق الطفولة الذي طبع صورته على ذكريات الماضي وأحلام المستقبل، كما شاركه السكن

في غرفته الضيقة أثناء دراستهما الجامعية.

وعلى الرغم من ذلك كله فإنه لم يتوقع أن بمقدوره أن يقف أمام صديقه معترفاً بخطئه ويقول: آسف، أنا أخطأت، لأن ذلك يقلل من قيمته أمام نفسه،

وربما أمام من سيعلم بذلك من الناس، وهو شيء لا يقبله، لكنه في نفس الوقت لا يود أن يخسر صداقة شخص يعلم مدى نبله وطيبة قلبه.

إذاً ما العمل؟الاعتذار عن الخطأ لا يعني أنك إنسان سيئ كونك أخطأت، بل يعني أنك إنسان تتحلى بشيم الكبار وصفات الواثقين من أنفسهم، كونك

علمت أنك على خطأ، ثم تحملت مسؤولية ما بدر منك. والأهم من كل ذلك أنك أظهرت للطرف الآخر مدى حرصك على علاقتكما ومدى احترامك له

ولنفسك. والطرف الآخر هذا قد يكون زميلك في العمل، أو موظفاً تحت إمرتك، أو ربما أحد أبنائك. والاعتذار قد يكون واضحاً ومباشراً، مثل قولك آسف، أنا

أخطأت، وأحياناً يتم بصيغة غير مباشرة تنم عن الندم عما حصل، وهناك الاعتذار بدون اعتذار، كأن تقول لمصاب في حادث أنا آسف لإصابتك، ويعني

ضمنياً رغم أسفي إلا أنني لست المسؤول عن الخطأ، وعادة ما يستخدم هذا النوع من الاعتذار مسؤولو الشركات الكبرى لئلا ينتج عن إعلان

اعتذارهم آثار قانونية يلحقها طلبات تعويض لا تنتهي. والاعتذار لا يعني عدم المحاسبة، بل يعني أنني أتحمل مسؤولية ما حصل، وأنا مستعد لتحمل

تبعاته.

ويعتبر الشعب الياباني من أكثر الشعوب التي لا ترى غضاضة في كثرة الاعتذار، بينما يمارسه الغربيون بشكل أقل، لكن على أية حال أكثر من العرب

الذين عادة ما يلجؤون للتبرير وتقديم الأعذار، فهذا كعب بن زهير بعد اعتذاره من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدارك الاعتذار بتبرير وتملص فيقول:

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل ومن أرق الاعتذارات ما قاله الشاعر العباسي المؤمل المحاربي وهو يعتذر من حبيبته هند

رغم أنها هي المذنبة: إذا مرضنـا أتيناكـم نعـودكـمُ وتذنبـون فنأتيـكـم ونعـتـذر وكما يعتذر الأشخاص، فكذلك تفعل الدول، فها هي فرنسا تعتذر اعتذارا

رسمياً للجزائر عن سنوات الاستعمار، كما فعلت اليابان مع جيرانها من دول جنوب شرق آسيا التي احتلتها، أما الولايات المتحدة وبعد عدة قرون من

تجارة العبيد فقد اعتذرت رسمياً لقارة أفريقيا.

أما محمد وبعد تفكير عميق فقد أخذته العزة ورفض أن يعتذر لصديق عمره، ولم يتذكر من كل ما قيل عن الاعتذار إلا عنوان قصيدة محمود درويش: «لا

تعتذر عما فعلت»!