«التصدي للعامة خلوقة، وطلب الرفعة بينهم ضعة، والتشبه بهم نقيصة؛ وما تعرّض لهم أحد إلا أعطاهم من نفسه وعمله وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبذلهم» يرد هذا النص في كتاب (الإمتاع والمؤانسة) ردا من أبي حيان على امتداح الوزير لفن القصص ووصفه (بالفن الحسن) الذي لو تصدى له أبو حيّان لحظي بكثرة السامعين
وهو نص يكشف عن نظرة مُتعالية لمجالس العامة واهتماماتهم
فالقاص شخص لا يستمع إليه إلا واحد من ثلاثة، إمّا رجل أبله لا يفهم الكلام، أو رجل عاقل يزدريه لتعرّضه للجهال، أو رجل بين الخاصة والعامة فـيُنكر عليه مرة ويعترف به مرة
ولكن الخلاصة عند أبي حيّان أن خوض مجالس العامة يحرم القاص من مجالسة (النخبة)
وقد أدّى اعتبار (القصة) فن العامة إلى تجاهلها -غالبا- من النُقّاد القدماء
فاعتنوا بالشعر لأنه أصل الإبداع اللغوي عند العرب
وفي فنون النثر اتجهت عناية النُقّاد إلى (الخُطب والرسائل) نظرا لدورها الوظيفي في التبليغ وإدارة الشؤون السياسية؛ حتى إن المفاضلات التي تدور في الكتب القديمة بين الشعر والنثر وتتجه إلى تفضيل النثر يكون تفضيلها غالبا مُستندا إلى قيام النثر (خطابة ورسائل) بأمور السلطان
ولذلك أهمل النقد القديم القصص -غالبا- لأنه (شعبي) وبعيد عن اهتمامات الخاصة
وتعامل النقد بهذه الطبقية أيضا مع الشعر، إذ يقلّ الالتفات لشاعر من غير الشعراء الذين اتصلوا ببلاط الخلفاء أو الوزراء أو القادة ومجالس الخاصة عموما؛ فشعراء الطبقات العامة من اللصوص والعيارين والحمقى والمتحامقين وردت حكاياتهم وأخبارهم في كتب الأدب العام أكثر من ورودها في الكتب النقدية
وما زال الأدب الشعبي أو (الموروث) منبوذا في الدراسات الأكاديمية على الرغم من اتكاء الأدب (الفصيح) عليه كثيرا (توظيفا واستلهاما)
طبقية الثقافة
منى محمد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
