لم تمنع إعاقة حسني بوقس التي أصابته منذ أكثر من عشرين عاماً، من تحقيق جزء من حلمه بإنشاء مركز متخصص «للمساج»، يقوم من خلاله بتدريب وتوظيف ذوي الإعاقات البصرية، خاصة أن مهنة «التدليك» واحدة من المهارات التي يبدع فيها الكفيف، لأن حاسة اللمس لديه قوية جداً
وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت بوقس في بداية مشواره، إلا أن إصراره على رؤية حلمه يتحقق، مَكَنه من تخصيص مكان بسيط «للتدليك» في منزله الخاص، بعد حصوله على رخصة دولية في هذا المجال، يقوم من خلاله بتوفير وظائف للشباب من ذوي الإعاقات البصرية، الراغبين في العمل بمجالات مختلفة، ومن ثم تدريبهم وتوظيفهم
واعتبر بوقس أن حصر مجالات العمل في السعودية أمام الكفيف في وظيفتين «التدريس أو السنترال»، إهدار لطاقاتهم وقدراتهم التي منحها الله إياهم عوضاً عن فقد نعمة البصر، مطالبا باستغلال المكفوفين الذين لديهم مواهب إبداعية ولكن لم ُتتح الفرصة أمامهم لاستغلالها
وتمنى أن يتم أخذ مبادرته الشخصية بعين الاعتبار من قبل المسؤولين أو المسؤولية الاجتماعية للشركات، وأن تجد الدعم الكافي بعد محاولاته التي وصفها «بالفاشلة»، وقال «مركز المساج البسيط الذي أمتلكه والرخصة الدولية التي حصلت عليها، عبارة عن مبادرة شخصية تهدف إلى تدريب الكفيف على التدليك الاسترخائي
وأتمنى أن تؤخذ من قبل أصحاب المسؤولية الاجتماعية، أو المسؤولين في الدولة حتى يتمكنوا من فتح مراكز في الفنادق أو مراكز اللياقة البدنية و النوادي الرياضية، لأن حاسة اللمس والشعور بالأيدي قوية جداً لدى الكفيف الذي يستطيع أن يمارس مهنة التدليك ويبدع فيها»
إبصار
وحول الآلية التي تمكن بها بوقس من التدريب والحصول على رخصة قال»عندما فقدت بصري بسبب مرض «الجلوكما» الوراثي، وفقدت وظيفتي، حيث كنت أعمل إداريا بأحد المستشفيات الحكومية، أصابتني حالة من الاكتئاب وجلست حبيس المنزل لمدة ست سنوات دون عمل، وقطعت علاقتي وصلتي بالناس، ولم أعد أخرج مع أبنائي، واكتفيت بالجلوس في حجرتي والاستماع للراديو»
واستطرد «وفي أحد الأيام، وأنا أستمع للراديو كعادتي اليومية، سمعت المذيع يتحدث عن جمعية «إبصار» الخاصة بالمكفوفين وذوي الإعاقات البصرية، ولم أكن أعلم بوجود جمعية أو مكان خاص للمكفوفين، وبعد ذلك حاولت الحصول على عناوينهم وتواصلت معهم، ومنذ ذلك الوقت بدأت حياتي تتغير للأفضل، خاصة أنني تعلمت أن الكفيف بإمكانه أن يستخدم الكمبيوتر عن طريق برامج خاصة به، وهذا كان عبارة عن نافذة فتحت أمامي أمورا كثيرة حددت مصيري، وتعلمت أن الكفيف بإمكانه الاعتماد على نفسه والخروج بمفرده، مستخدماً العصا البيضاء التي ترشده على الطريق»
وأضاف»إلا أن عملي في «إبصار» كمدير للموارد البشرية، وأنا أرى أن هناك عددا كبيرا من المكفوفين ولكن لا مجال أمامي لتوظيفهم، جعلني أبحث عن مجالات أخرى وخلق فرص وظيفية لهم، ولاسيما أن هناك تكدسا من الشباب والخريجين الجامعيين المكفوفين، ولكن لا توجد فرص وظيفية لهم»
البحث عن فرص
وقال «كنت على ثقة أن الشخص الكفيف يمكنه أن يُبدع في مجالات أخرى، وليس من الضروري أن يحصر نفسه في هاتين الوظيفتين، خاصة أن الله عوضه بحواس أخرى عن البصر، ولابد من أن استغلالها، لذلك بحثت عبر الانترنت عن الوظائف التي يُمكن أن يشغلها الكفيف ويبدع فيها، ووجدت أن التدليك أو المساج من الوظائف المناسبة لنا كمكفوفين، ففي دول شرق آسيا تعتبر مهنة التدليك هي المهنة الأولى التي يشغلها المكفوفون، وفي جنوب كوريا لا يمنحون رخص ممارسة مهنة المساج إلا للمكفوفين»
وأضاف «بعد ذلك تواصلت مع منظمة برايل بلاحدود، المختصة بالمكفوفين وذوي الإعاقات البصرية من مختلف أنحاء العالم، وأبلغوني أن لديهم معهدا في الهند يختص بالمكفوفين الذين لديهم مشاريع، وبالفعل حصلت على منحة في الهند لمدة عام، وقدمت فكرة مشروع «مركز المساج يعمل به مكفوفون» وساعدوني في تطوير الفكرة، وحصلت على الرخصة»
قطف الثمار
بعد أن أنهى بوقس فترة التدريب وعاد إلى السعودية حاملاً شهادة إجازة الممارسة الدولية وطموحه بأن يفتح أول مركز مختص من نوعه بتوظيف ذوي الإعاقة البصرية، اعتبر أنه بذلك حقق حلمه بأن يُخرج هذه الفئة من المسار الذي أُجبِروا عليه، إلا أن مشروعه لم ير النور بسبب «بيروقراطية» الجهات الحكومية ورفضهم استخراج التصريح لفتح المركز
وقال «بعد عام من تقديم مشروعي لوزارة الشؤون الاجتماعية وصلتني إفادة بأن الشؤون الاجتماعية ليست هي الجهة المعنية بهذا الموضوع، معتبرين أن الجهة المسؤولة هي وزارة الصحة التي أرشدتني أيضاً بدورها بعد عام من تقديم الطلب للهيئة العامة للسياحة والآثار، معتبرين أن مشروعي يندرج تحت النوادي الرياضية و الفنادق»
بوقس الحاصل على ماجستير في إدارة المستشفيات، بعد أن أنهكه التعب لمدة ثلاث سنوات من مراجعة الدوائر الحكومية، قرر أن يعتمد على إمكاناته المحدودة، فخصص جزءا من منزله وفتح عيادة صغيرة خاصة بالمساج والتدليك، وبحث عن كوادر من ذوي الإعاقات البصرية وقام بتدريبهم ومن ثم توظيفهم، والآن لديه عملاؤه الخاصون والدائمون والذين يجدون الراحة في مركزه
وبين أن كل جلسة مساج تحتاج إلى ساعة ونصف، وتبلغ قيمة الجلسة الواحدة 150 ريالا
وحول عدد الأفراد الذين يمكن أن يستقبلهم يومياً بين أنه لا يمكن أن يستقبل أكثر من خمسة أشخاص يومياً، إلى جانب عمله في تدريب الكوادر، والذي يحتاج أيضاً إلى فترة تتراوح من شهر إلى أربعة أشهر حسب قدرة الشخص
وطالب بوقس المجتمع بمنحهم مزيدا من الثقة، لأن لديه الكثير، وذويه من أصحاب الإعاقات، ولكنهم بحاجة لفرصة
كما طالب القطاع الخاص والحكومي أيضاً بمنحهم مزيداً من الحوافز والثقة بقدراتهم وكفاءاتهم

