الفن هو وسيلة اتصال بين الفرد ومجتمعه، فهو يساعد على التطور والتماسك الاجتماعي من خلال تناول الموضوعات التي تشغل الرأي العام، وهو أداة لتربية المشاعر والتسامي بالحس نتيجة لإدراك الانسجام الفني، وله وظيفة عملية تتمثل في الحفاظ على الآثار التاريخية والثقافة الشعبية والوطنية وتخليد الذكريات والشخصيات والجماليات والأحداث، والفن يحاول أن يوقظ فينا أعمق الإحساسات الحيوية وأرفع العواطف الأخلاقية، وبذلك يتعدى حدود العمل الفني، فلا يصبح مجرد صورة أو قطعة نحت أو معزوفة موسيقية أو مشهد تمثيلي؛ إنما هو كل ما ينتجه الإنسان وما يستخدمه وكل ما يتأثر به ويؤثر فيه، فيصبح الفن ذا تأثير حضاري على سلوك الأفراد والمجتمع.
أشد الأزمات التي قد تمر بالبشرية هي الحروب العسكرية، ويصاحبها الحرب النفسية والتي قد تكون أشد فتكا، والحكومة التي لديها مهارة صناعة وإدارة للأحداث تسخر كل إمكاناتها المادية والبشرية والثقافية لدعم ذلك الحدث، وفي الأزمات والحروب تتجلى تلك المهارة بتسخير الفنون السمعية والبصرية بكل أنواعها.
يقول أرسطو (إن الفن يمكن أن يعد سياسة لو قدرت أهميته تقديرا سديدا، حينها تكون الحياة كلها هي مسرحه ومادته).
ونجد في الأزمات صعودا للأغاني الوطنية التي تحمل الألحان والكلمات الحماسية باللهجات المتعددة، والكثير منها له ارتباط تاريخي في العقلية الشعبية لمجرد أنها تعود بالذاكرة للوراء؛ لمواقف مؤلمة وحزينة وتارة مواقف مفرحة إبان أزمات سابقة مرت بها البلاد، فمجرد السماع العابر يأخذ الذاكرة لعوالم أخرى، وبعض الأصوات الغنائية أصبحت ثروة وطنية للموروث الثقافي والفني الشعبي؛ فصوت محمد عبده وطلال مداح وأبوبكر سالم ما زال يحرك الروح ويهز الوجدان ويبعث الحماسة، بل وأغنياتهم القديمة ما زالت خالدة حتى اليوم، وستبقى تاريخا يُروى للأجيال، وتحمل عبارات تسطر بماء الذهب سردها شعراء حركتهم الحوادث مثل قصائد الأمير بدر بن عبدالمحسن.
المسألة إذا ليست مجرد فواصل صوتية تمضى بها الأوقات، أو لوحات تعلق على الجدران؛ بل هي رسائل ذات دلالات كبيرة وحساسة في العقلية البشرية، سواء كان مؤثرا صوتيا عبر الأغاني أو القصائد أو حتى الخطابات، أو كان مؤثرا بصريا في الصور والرسومات أو تقليدا شعبيا كاللبس، فمثلا عند أول ظهور إعلامي للرئيس اليمني أثناء عاصفة الحزم خرج وهو يلبس الثوب المهري وهو تقليد وتراث أصيل لإحدى القبائل اليمنية العريقة ليرسل رسالة مباشرة بأن اليمن عربية وقضيتها عربية، فكانت الرمزية فيه واضحة والهدف منها جليا.
يقول الروائي والشاعر الإنجليزي ديفيد هربرت (وظيفة الفن هي كشف العلاقة بين الإنسان وبيئته)، ويقول الكاتب والمسرحي الألماني برتولت بريشت (ليس الفن مرآة للحقيقة، بل مطرقة يمكن بها تشكيل الحقيقة).
ثقافة الفنون في الأزمات
محمد الحمزة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
