يبادر بعض الخطباء والوعّاظ وبعض المؤلفين عند حديثهم عن القيم الإنسانية ومكارم الأخلاق إلى ربط ذلك بالغرب والثقافة الغربية، انطلاقًا من القول: إن تلك القيم التي يتحلى بها (المسلمون) مهجورة من (الغربيين)، ولو أخذنا مثالًا على ذلك برّ الوالدين الذي أمر به الإسلام ودعا إليه في آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة، إذ لا يكتفي هؤلاء بذلك، بل يسارعون إلى عقد مقارنة تفيد أن الغرب يفتقد هذه الفضيلة التي يأمر بها الإسلام، وهذه المقارنة قد تجد صداها لدى من يأخذ الثقافة الغربية كمناقض مباشر للإسلام، وقد تجد قبولًا لدى من لا يعرف المجتمعات الغربية جيدًا، ولكنها عند فحصها والتأمل فيها سنجدها تحتاج إلى مراجعة من زوايا عدة، ولعلنا نحاول هنا أن نكشف ذلك في نقاط موجزة:الأولى: إن عقد المقارنة بين الإسلام من جانب والغرب من جانب آخر مجحف كثيرًا في حق الغرب، وفي حق المسلمين عامة، ذلك أن الإسلام دين سماويّ يمثل البعد النظريّ الداعي إلى تطبيق تلك القيم المثلى، وفي المقابل فإن المسلمين في الشرق والناس في الغرب على اختلاف عقائدهم واتجاهاتهم يمثلون التطبيق لتلك النظرية، وبالتأكيد فإن التطبيق لن يصل في أي حال من الأحوال إلى النسبة الكاملة التي تحققت في النظرية، فالدعوة إلى البرّ بالوالدين في الدين تتوفر فيها النسبة الكاملة نظريًا، لكن ممارسة هذا البرّ بالوالدين تختلف من مجتمع إلى آخر، بل من فرد إلى آخر، ويتمادى هذا الأمر لدى الفرد نفسه، إذ لن نجد الفرد في حالة واحدة منذ مولده؛ فقد يكون من هو بار بوالديه اليوم عاقًا بهما يوم غد أو العكس مهما اختلفت البيئات وتعددت
الثانية: إن مقارنة الإسلام، بوصفه نظامًا عقائديًا، مع الغرب، بوصفه أمة، في موضوع كهذا لا تستند إلى المنطق، ولا تقوم على منهج، وإنما يمكن إسنادها إلى ما يخالف الإسلام، وما يخالف الإسلام هو الكفر، فإن اُصطلح على إلحاق الكفر بالغرب فإن المسألة تبدو منطقيّة، حال كون الغرب لا يدين بديانات تدعو إلى تلك القيم، وهو أمر يخالف الواقع، فالغرب كأمة يدين بديانات عدة ومنها الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة، وفي هذا دمج لتلك الفئات تحت إطلاق ما يناقض الإسلام (الغرب غير المسلم) عليه، وفي هذا تجنٍ واضح وتهميش لفئات عدة
الثالثة: تُبنى النظرة المتبنّية لذلك على الصورة المتخيّلة عن الغربييّن وتنتشر لدى بعضهم، وتقوم على كون الغرب قد استبعد القيم النبيلة بما فيها القيم الأسريّة الحميدة، وأن خصلة مثل برّ الوالدين لا يمكن أن تتوفر في تلك البلدان، وهو أمر مردود، فليس كل الغربيين يصنفون في إطار العقوق، إذ إن منهم من يكون بارًّا بوالديه حتى وفاتهما، وربما كان ذلك لأبعاد إنسانيّة لا دينيّة
الرابعة: ليس كل من لجأ إلى الدور الخاصّة والملاجئ من كبار السن في الغرب قد ناله عقوق من أبنائه، ولكنه حرص بعض الآباء أن يكون مستقلًا عن أبنائه وذويه، رغبة في أن يتفرغوا لأمور دنياهم، بينما يجد الرعاية الكاملة في تلك الدور، ولا تنقطع صلة الأبناء بوالديهم، بل يزورونهم باستمرار، ويتفاعلون مع متطلباتهم
الخامسة: إن ضرب الأمثلة وعقد المقارنة بالغرب يكشف عن ذلك التأثير الواضح للثقافة الغربيّة على الوعي عامّة، فحضور تلك الثقافة يدفع أولئك الوعّاظ إلى تقديم هذه الصورة، وهو أمر يحتاج إلى تفصيل، ولعل أبرز الأدلة فيه هو عدم عقد مقارنة مع أمم أخرى
ما أود الإشارة إليه أخيرا يتمثل في أن من الممكن أن نتحدث عن صورة الإسلام في الثقافة الغربيّة، أو مواقف الحكومات الغربية من الإسلام في اللحظة الراهنة، وهو أمر مارسه عدد من الباحثين والمفكرين، عوضًا عن إجراء مقارنات بين الإسلام والغرب في أمر يتصل بالقيم الإنسانيّة النبيلة
لماذا يقارن الوعّاظ الإسلام بالغرب؟
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
