كان للطائفة الشيعية في العصر الحديث أدوار لا تنكر في المطالبة بالاستقلال من الاستعمار الغربي؛ فحينما احتلت الجيوش الإنجليزية العراق عام 1914 أعلن علماء الشيعة في العراق الجهاد ضد القوات الغازية، وفي عام 1920 ساهمت فتاوى علماء الشيعة في قيام ثورة العشرين الشهيرة ضد الإنجليز، وكان شباب الشيعة يشكلون عماد الحركات القومية في الخمسينات في العراق، وحينما حدث العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 قامت مظاهرات صاخبة في النجف سقط فيها قتلى وجرحى، ووصل الهم القومي إلى طلبة العلم من الشيعة؛ قال الشيخ علي الكوراني العاملي: «كان في الحوزة طلبة قوميون يؤيدون جمال عبدالناصر، وكانوا كثرة نسبيا»، أي إننا أمام طائفة مندمجة في عموم الأمة ذات هوى قومي عروبي، فما الذي حدث اليوم لطائفة الشيعة؟
نتيجة لصعود المد الديني بعد انتصار الثورة في إيران، وطرح إيران نفسها متكلمة باسم الشيعة وحامية لهم تأسست حركات سياسية دينية في أوساط الشيعة، ولأنها تتخذ من المذهب الشيعي أيديولوجية لها فمن الطبيعي أن تكون مغلقة على الشيعة كما في كل حزب ديني، وهذا التخندق الطائفي ساهم في نشوء الطائفية السياسية، قال نبيه بري عن ذلك: «أردنا أن نُسَيِّـس الطوائف، فطيَّفنا السياسة»، وهذا التطييف جعل الشيعة اليوم يعيشون في غيتو خاص بهم صنعه زعماؤهم السياسيون؛ إذ فصلوهم عن مجموع الأمة، وحولوهم إلى جمهور مشحون أيديولوجيا بالاختلاف عن الآخر، ومسكون بهاجس المظلومية، وتحول التشيع من اعتقاد ديني إلى هوية سياسية تجمع كل الأطياف الشيعية المتدينة وغير المتدينة كالليبرالية حتى الملحدة، وقد حرص السياسيون الشيعة على إذكاء الوهج الطائفي – كما هي عادة السياسيين الانتهازيين – لضمان ولاء الطائفة لهم؛ ففي العراق قادوا البلد بعقلية طائفية انتقامية، ومسكوا السلطة وفي أذهانهم أن الهدف الأول هو كيف نجعل الطائفة تمسك بكل مفاصل البلد؟؛ لنضمن بقاء السلطة لطائفتنا إلى الأبد، وهذا يتطلب تكاتف الشيعة – مهما كانت خلافاتهم، وسوء تصرف من فاز بالسلطة منهم – وقبول وصاية إيران؛ لأن في هذا مصلحة للشيعة، والانتصار للنظام السوري في حربه لشعبه - وهو من كان المالكي يتهمه بدعم العمليات العسكرية في العراق - خوفا من مجيء سلطة سنية في الشام، لقد كانت إدارتهم للسلطة فيها تكريس للولاء للطائفة قبل الوطن، واستغلال لذلك الولاء حتى وصل الأمر بنوري المالكي إلى الهجوم على المعتصمين في ساحات الأنبار قبيل الانتخابات الماضية ليفوز بأصوات الشيعة؛ أي إنه يهاجم عسكريا قسما من المواطنين ليفوز بأصوات قسم آخر، حتى وقع العراق فيما يعانيه اليوم من تشرذم وحروب وفوضى وتطهير طائفي من ميليشيات داعش وميليشيات الحشد الشعبي، وفقر دفع أبناءه لطلب الهجرة؛ فقد تحدثت في مدينة الناصرية العراقية سـفيرة أستراليا في العراق أن عدد المهاجرين العراقيين غير الشرعيين إلى أستراليا في عام 2013م بلغ أكثر من ألف مهاجر، منهم 200 مهاجر من الناصرية، و600 من باقي محافظات الجنوب العراقي، أي 800 مهاجر شيعي من مجموع الألف مهاجر، كل ذلك بعد عشر سنوات من حكم الشيعة! وهذه المظاهر أعطت صورة سلبية قاتمة عن حكم الشيعة، وفي لبنان دفع حزب الله جموعا كثيرة من اللبنانيين الشيعة ليكونوا جنودا يقتلون السوريين في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل سوى أن زعماءهم السياسيين دفعوهم إليها، ومثلهم دفعت الأحزاب الشيعية في العراق بميليشيات أبي الفضل العباس وغيرها لتساهم مع الطاغية بشار في سحق السوريين، فأي بلاء وفتنة ومصيبة وبلية وضع السياسيون الشيعة فيها طائفتهم؟، وما الذي يجنيه الفرد الشيعي حينما يكون عونا لطاغية يذبح شعبه؟!
لقد اشتكى الشيعة كثيرا من المظلومية فما بالهم اليوم وضعوا أنفسهم عونا للظالم، ولماذا رهنوا طائفتهم لحماقات سياسيين انتهازيين لا تهمهم إلا مصالحهم السياسية؟!
ليس من مصلحة الشيعة أن يعزلوا أنفسهم عن جمهور الأمة؛ فهم جزء منها لا يمكنهم الفكاك ولو أرادوا ذلك، وثمة بوادر على ردود فعل قد تكون عنيفة تجاه الشيعة نتيجة لانخراطهم بمثل تلك الصراعات الطائفية، فقد نشرت صحيفة القدس تحقيقا بعنوان (الشيعة يعيشون في خوف مع تصاعد موجة الكراهية ضدهم في العالم)، ترصد فيه ردود فعل تجاه الشيعة في عدد من البلدان الإٍسلامية، ويروى عن الشيخ محمد عبده أنه بعد أن مارس النشاط السياسي وذاق مرارته قال كلمته المشهورة: «لعن الله ساس، ويسوس، وسياسة»؛ فهل سيأتي اليوم الذي تكون فيه هذه الكلمة هي شعار أبناء الطائفة الشيعية؟