.. واختلفوا: هل يجوز أن نصف الرسول، صلى الله عليه وسلم، بـ(السيِّد)... أم لا يجوز..؟
وقد صح عنه وصف ذاته العلية بذلك، وتواترت مقدمات كتب السلف على وصفه بذلك، عليه صلوات الله وسلامه. ولو توقف اختلافهم عند حدود الثقافة البائسة، التي ألِفوها وتربت عقولهم على معطياتها ومخرجاتها، لهان الأمر، وهم وما يختارون.
غير أن مخرجات تلك الثقافة البائسة؛ تصدَّر لأبنائنا، وتقرَّر عليهم في مناهجهم الدراسية، ويتم قصف عقولهم والعصف بها، بمثل هذه الدعاوى والقضايا التي لا تترتب عليها أحكام، ولا تدركها عقول طلاب المرحلة المتوسطة، الذين تغيض وتفيض مقرراتهم بمثل هذه التفاصيل، التي لا يزيدهم العلم بها شيئا، ولا ينقصهم الجهل بها شيئا، وإذا بهم في شتات من أمرهم، وإذا بواضعي مناهجهم الدراسية؛ قد أقحموا آراءهم واختياراتهم الخاصة، في متن الموضوعات التي يفرض على أبنائنا التسليم بأنها الحق المطلق، والقول الفصل، وليست كلها كذلك، فبعضها قضايا ومسائل مختلف فيها، ولا يلزم الطالب الانقياد إلى هذا الرأي دون ذاك فيها، وبأي الآراء أخذ فهو على حق. هذا إذا كان الطالب يدرك في هذه السن معنى اختلاف العلماء، وهو ما تجاوزه الواضعون، لكي يوهموا أبناءنا بأن ما يصدرونه ويسطرونه لهم في المقرر الدراسي هو الحق المبين.
وما معنى أن تغرق تلك المقررات بهذه التفاصيل؟ التي لها مشابهات ونظائر لا قِبل لعقول الصغار بها، ودار الحديث حولها كثيرا، ونادى المربون والباحثون والمصلحون كثيرا بضرورة التخفيف مما لا تطيقه أو تفهمه عقول الأطفال/التلاميذ منها.
وطالبوا كثيرا بالابتعاد عن إقحام المسائل الدينية التفصيلية، في مقررات التعليم العام، ووقفها على المستويات العليا في الجامعات وفي الأقسام المتخصصة فقط، حتى لا تتبدل تلك المسائل في معرض سوء اختيار الواضعين لها، في مقررات دراسية يتلقاها أطفال لم تنضج مداركهم وعقولهم بعد.
والحال: أن لا حياة لمن تنادي..! فكل عام يعاد تفصيل المقررات على المقاس الفكري ذاته، الذي لا يرينا إلا ما يراه، ويختار لأبنائنا ما يخالف بعضه ما اعتادوه، وتربوا عليه، فإذا ببعض تلك المقررات تغرس الفرقة في بيوتنا، وتشتت أذهان أبنائنا.
وماذا لو توقف واضعو المناهج، عند أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وشروطهما، ومقاصد الإسلام العليا، وآدابه بعامة.
وماذا لو بسطت لهم بعض المفاهيم والمصطلحات حول ذلك؛ في حدود ما يتوافق مع مستواهم الإدراكي، والمعرفي.
أما الموضوع الذي استثار هذا النثار، من مثل ما صدرنا به هذه المقالة.. فهو من أمثلة ما يضع واضعي المناهج الدراسية في حرج الأسئلة؟
فكيف قدَّروا أن وصف الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام بـ(السيد)، مبالغة في الإطراء المنهي عنه؟
وكيف أوَّلوا، أو فسَّروا، أو خرَّجوا، أو وجَّهوا الأحاديث الصحيحة، التي جاء فيها وصفه صلى الله عليه وسلم لذاته العلية بـ(السيد)، أو وصف غيره من عِلية الصحابة عليهم السلام بذلك؟
ثم.. أفبهذا السن والمستوى التعليمي؛ نعلم التلاميذ خطر إطراء الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، والمبالغة في مديحه، حماية لجناب التوحيد؟!
أما الثقافة التي أنتجت بعض تلك المقررات التعليمية وفكرها، فهي ذاتها التي انطلق منها ذات يوم؛ سؤال عبثي مِن فم أحد مخرجات تلك الثقافة.. عندما تحذلق يوما واستظرف، فقال: لماذا نقول مكة: (المكرمة). والمدينة: (المنورة).
إذ ضاقت نفس ذلك الظريف.. وضاق عقله.. بأن توصف المدينتان المقدستان بـ(التكريم والنور).
هي الثقافة ذاتها التي تشير إلى المسجد النبوي، في كتاباتها وخطاباتها الإدارية والرسمية والعامة.. دون أن تتخذ من وصف (الشريف) لفظا معتبرا يلي تعيين ذلك الجوهر المقدس.
المسجد النبوي/فقط، دون الشريف، هذه من تلك؛ هي ذاتها الثقافة الوعرة، التي لا ترق ولا تلين ولا تراعي السنن المعرفية والآداب العلمية والأصول التربوية، ولا تلقي بالا لأي تنوع ثقافي، فضلا عن أن تتحوط وتستبين طريقا منيرا؛ في اختيار ما يتناسب مع أعمار التلاميذ ومداركهم.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
يا سيدي يا رسول الله
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
