صرنا نسمع كثيرا (كم أنت فظيع ونادر الوجود) (أنتِ خارقة وغير عادية) وحين انتهاء أي منتدى أو مشروع أرى تعليقات في الإعلام (حقق المشروع نجاحا ساحقا غير مسبوق) (كان البرنامج رائعا بكل المقاييس ليس كمثله مثل وليس له شبيه) وغيرها من المانشيتات والتعليقات والمديح المستفاض في الصحف والمجلات ووسائل التواصل الاجتماعي.
حتى لتكاد تشعر بالانفصام ما بين حقيقة واقعك المعاش ووردية الوصف المستفاض.
إن المبالغة في الإيجابية والمجاملة كانت وما زالت على مر التاريخ إحدى وسائل إنقاذ الشعوب من الأزمات النفسية والإحباطات التي تصيبهم كتبعات للحروب والمآسي والانهيارات الاجتماعية والاقتصادية.
وذلك بغرض دفعها وتحفيزها للعمل والإنتاج وإعادة البناء.
ولنا في العبارة المشهورة Keep calm and carry on (كن هادئا واستمر) التي انتشرت بكثافة منذ فترة، خير مثال.
حيث قامت وزارة المعلومات في الحكومة البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية بابتكارها بغرض رفع معنويات الشعب وتثبيته خلال الأزمات.
ولكننا للأسف وقعنا ضحية هذه التقنية حين صدقناها تماما وأتقناها كحرفة.
وأصبحت أداة لتلميع الأشخاص والمصالح، ومعول هدم للإنجازات والمجهودات الحقيقية.
فحين يصبح كل شيء رائعا وعظيما وبراقا وذا نتائج مبهرة، فكيف سنعرف ما الفرق بين المتوسط الجودة والممتاز والسيئ؟ كيف سنميز بين المزيف والحقيقي؟ كيف سنطور ونتعلم من أخطائنا حين يختفي النقد البناء والرأي الصريح، وأدوات التقييم الواضحة التي تستخدم كأدوات للتحسين والتعديل والتخطيط للمستقبل؟
إن السلبية والانهزامية التي غرقنا فيهما لفترة طويلة، كان ولا بد للخروج منهما من اندفاعنا بقوة في الاتجاه المعاكس.
فبعض أنواع التوازن في الحياة لا تتحقق بصيغتها البناءة إلا حين نجرب التعمق في أحد الطرفين.
لذا حان الوقت الآن لأن نقرن الإيجابية بالحكمة والأخذ بالأسباب.
ونقرن المجاملة بالصدق والرغبة في التحسين.
ونقرن أعمالنا بأدوات تقييم واضحة تساعدنا على بلوغ أهدافنا، وعلى معرفة حقيقة أدائنا.
فهكذا تبنى الإنجازات العظيمة، وهكذا قامت الحضارات الحديثة.
heba.
q@makkahnp.
com
سقوط آيل للإيجابية
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
