احتفال الشارع الإيراني بالتوصل لاتفاق إطار لبرنامج طهران النووي مع الدول الست الكبرى، يعكس حالة التردي الاقتصادي التي وصلت إليها البلاد خلال فترة العقوبات الاقتصادية، فإيران المنهكة اقتصاديا والمنشغلة بدعم أذرع تنفيذ سياساتها التوسعية من خلال تكريس الطائفية، أهملت الوضع الداخلي وعملت على محورين يقدمانها كقوة في المنطقة وترتبط نتائجهما لصالح الوصول للاتفاق حول البرنامج النووي، هذان المحوران هما: إثارة الفتن في المنطقة وتوسيع دائرة التدخلات في الشؤون الداخلية للدول العربية المجاورة، أو الدول التي تشهد اضطرابات وصراعات أفرزتها أحداث ما سمي بالربيع العربي، وتحاول إيران أن تجد موطئ قدم لتوسيع دائرة الخلافات بين مكوّنات العمل السياسي بغرض إطالة أمد النزاع، وتمكين الموالين لها من الوصول إلى مقاليد الحكم، وبالتالي تنفيذ الإملاءات الإيرانية.
أما المحور الثاني: فمرتبط بسابقه، حيث رمت إيران من تدخلاتها في المنطقة وإثارة الفتن إلى أن تقدم نفسها كقوة على الأرض يسعى الغرب لاسترضائها كحليف يمثل جزءا من الحلول التي تبحث عنها الدول الكبرى لإنهاء حالة الفوضى التي تشهدها العراق وسوريا وليبيا واليمن، وبالتالي إنهاء الملف النووي باتفاق يغض الطرف عن الحليف للوصول إلى حلول عملية لكثير من الملفات العالقة في الشرق الأوسط، وهو ما شهدته المفاوضات التي امتدت لـ(18) شهرا،غير ما سبقها خلال فترة زيارات لجان الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآت إيران النووية.
هذه الحال دعمها تراخ أمريكي نظر لطهران على أنها القوة القادمة للقضاء على تنظيمات الإرهاب التي تمددت في ظل استمرار نظام بشار في سوريا، وألوية قاسم سليماني في العراق، وحزب المعممين في لبنان، وحالة الفوضى التي أحدثتها ميليشيا الحوثي في اليمن، وكل ذلك بدعم من إيران الصفوية الحالمة بالإمبراطورية، وعندما يحتفل الشارع الإيراني فإنه ينظر لرفع العقوبات بمقتضى الاتفاق علّ ذلك يكون بداية الحصول على فرصة عمل بعد بطالة خانقة تركت آثارها على المجتمع الإيراني، في ظل مكابرة الحكومة والاستمرار في إهمال الشارع على حساب أحلام الهيمنة.
لكن إيران فوجئت بقرار قيادة المملكة وشقيقاتها دول الخليج الأربع المشاركة في (عاصفة الحزم) وهي تقف لحماية اليمن وشعبه وحماية أمنها واستقرارها، ووضع حد للتدخلات الإيرانية في المنطقة، وسط إجماع عربي وإسلامي وتأييد عالمي مناصر للشرعية اليمنية وتنديد بإرهاب الانقلابيين الحوثيين، ليأتي الاحتفال الإيراني وسط العاصفة، وقد قُطعت سبل إمداد عصابة الحوثي وحليفها الشاويش علي صالح بأية أسلحة أو خطط أو مستشارين، ووضعت إيران والعالم أمام واقع جديد، لدول الخليج وحليفاتها فيه زمام المبادرة بقيادة المملكة التي حذرت الدول الكبرى من أن السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي يقود إلى سباق محموم لحصول دول المنطقة على ذات السلاح.
والمملكة عندما تؤكد ذلك فإنها هي التي دعت وفي أكثر من محفل إلى ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تقبل باتفاق يغلّب دولة على أخرى، وخاصة إذا كانت تلك الدولة إيران ذات النوايا والأفعال العدوانية.
وفي ظني أن المرحلة المقبلة ستشهد تعقيدات كثيرة تنتظر إتمام الصفقة التي روجت لها أمريكا وطهران كانتصار لكل منهما، لكن أمريكا حتى مع مغازلتها لطهران لن تستطيع إغفال القوى الكبرى في المنطقة، وخاصة في ضوء هذا الإجماع الكبير المؤيد لقرار المملكة بخوض (عاصفة الحزم)، وما تعلمه أمريكا قبل غيرها عن المكانة العالية والدور الطليعي الذي تلعبه السعودية في كل مجالات العمل وعلى كل الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، من هنا كان اتصال الرئيس أوباما بالملك سلمان، أيده الله، لتأكيد حرص أمريكا على استقرار المنطقة، والتزامها بأمن المملكة وشركائها في الخليج والمنطقة العربية، وهذا معناه أن الاحتفال الإيراني لا يزال أمامه طريق طويل، وأن المتغيرات على الأرض تفرض نفسها، ولا سبيل أمامها سوى الكف عن ممارسات الاستفزاز، بعد أن قطعت يدها الملطّخة بالدماء في اليمن، فدول المنطقة وإن قبلت أن تكون خارج المفاوضات في الفترة الماضية، فإنها لن ترضى أن تكون مسرحا لخطط إيران، فضلا عن قبولها باتفاق يعرضها ويعرض شعوبها وأمنها القومي للخطر.
(اتفاق الإطار) لبرنامج إيران النووي في ظل (عاصفة الحزم)
عبدالله بن خميس العمري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
