يؤكد عدد من المثقفين أن الفعل الثقافي لا يميز بين المنجزات الإنسانية، ولا يسمح بالجندرة لأن الفكر الإنساني واحد لدى المرأة والرجل، ولذلك يشيرون إلى أن مبدأ الفصل في الفعاليات الثقافية بين الجنسين أمر يثير حفيظة المرأة بصورة عامة والمثقفة بصورة خاصة، مما يجعلها تحس بالدونية.
ويرى مثقفون أن الوضع يزداد مرارة عندما يأتي قرار وضع الحاجز أو الفاصل من شخصيات هي في الأساس "مثقفة"، فالمرأة لا تقل ثقافيا وفكريا عن الرجل، حيث تشارك في المشهد الثقافي وتحضر في الإعلام، ولذلك يقولون إذا كان الاختلاط ممنوعا في الفعاليات، فالأولى منعه في سائر جوانب الحياة، وذلك ما لا يمكن حدوثه، بحسب رؤيتهم، باعتبار أن المرأة أصبحت شريكا فاعلا في جميع الأنشطة الإنسانية والاجتماعية دون أن يشوش ذلك على خصوصيتها.

 

المرأة لها كينونتها

ويرى الناقد جاسم المشرف أن المسألة مرتبطة بمنظومة القيم التي تحملها المرأة، فهناك من تشعر بالدونية باعتبارها ترى ألا فرق بين الرجل والمرأة مطلقا، وتنطلق من رؤية وضعية جعلت المرأة كالرجل فيما لها وما عليها، وهذا محل جدل يطول، أما المرأة التي تنطلق من رؤية دينية فهي ترى أن لها خصوصيتها وكينونتها ومكانتها، وأنها لا يمكن أن تجعل نفسها موقع ابتذال لهذا أو ذاك، فترى في الاختلاط استخفافا بذاتها، والذي أطمئن إليه أن ثمة اختلاطا محتشما يحفظ للمرأة احترامها بعيدا عن التماس المباشر بالرجال واحتراما لوجودها فهذا مما لا بأس به، ولكن بمجرد أن تفقد المرأة حشمتها ويتجاوز الرجل حدوده معها فهذا ما لا يرضاه عقل أو دين.
ويضيف المشرف أن حالة الإبداع انزياح عما هو مألوف، وتحد لما هو سائد في عالم الفن لا في دنيا العلاقات الاجتماعية والممارسات العرفية والدينية على ما أحسب؛ لذا لا علاقة بين أجواء الثقافة المنفتحة اجتماعيا والإبداع.

 

الاختلاط غير محرم في الإسلام

الباحثة الدكتورة سهيلة زين العابدين: نحن نعيش في مجتمع متناقض والدليل الفصل الحاصل بين النساء والرجال في المؤتمرات والفعاليات الثقافية وحتى في مجلس الشورى ، فالاختلاط ليس مرتبطا بالاسلام ، وأآية المباهلة تؤكد على ذلك

 

الحواجز تهميش للمرأة

وقد قررت الشاعرة والناقدة أميرة كشغري التوقف عن الحضور في أي فعالية أو مناسبة ثقافية يكون فيها حاجز، وتقول "أعتقد أن وجود الحاجز أيا كان نوعه سواء مادي أو معنوي هو نوع من التهميش للمرأة بصورة عامة والمثقفة بصورة خاصة، ولا أعتقد أنه بوجود الحواجز ستكون هناك حالة إبداعية أو تفاعل من الجانب النسائي".

 

العزل يقتل الإبداع

يقول الكاتب والشاعر عبدالعزيز الشريف: ليس الفصل في الاتجاه الثقافي وحسب، وإنما في كل تفاصيل الحياة الاجتماعية، نحن بذلك ضد فطرة المرأة البشرية التي خلقت بها منذ الأزل وحتى اليوم، وقد حاولت أن أربط بين المعطى الحضاري الآن ودور المرأة في كل مفاصل الحياة وعبر التاريخ، وفي كل التجمعات الإنسانية التي خرجت من خلال الحضارات المدنية، فوجدت أن التاريخ الإنساني حافظ على المرأة بشكل متوازن وأعطاها كامل حقوقها، واعترف لها بفضل المشاركة للرجل في كل مناحي الحياة وقدّر دورها ولم يهمشه أو يلغه، ولنا في تاريخ الإسلام خير عبرة فقد كَرمت المرأة هذا الدين قبل أن يُكرمها فيما بعد، وهو في بداياته وضعفه، فكان أول من آمن بالدين الجديد امرأة، وأول من استشهد امرأة، ومن حفظت سنن النبي امرأة، وشاركت المرأة في الشأن العام والخاص، وأنجبت القادة والعلماء والخلفاء، هكذا باختصار شديد كان دورها.
ويضيف الشريف: تكرار موضوع الاختلاط في المناسبات الثقافية يشعرها بالدونية، ويقتل حالة الإبداع لديها، فلا نستطيع الفصل بين شأنها العام وممارسة حياتها سواء كأكاديمية أو عالمة في مجال تخصصها أو مسؤولة وبين حياتها الثقافية، وكيف نستطيع أن نتحدث عن دور المرأة وهي تبحث عن محرم يقضي لها احتياجاتها، ولا تستطيع أن تقود سيارة رغم أنها تحمل أعلى المؤهلات العلمية؟ وهي ترى استخفاف مجتمعها بها.