روى القاضي عياض في كتابه (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك) عن شيخه مالك بن أنس رضي الله عنهما، أنه قال: (ليس كلُّ من أحبَّ أن يجلس في المسجد للتحديث والفتيا جلس، بل حتى يشاور أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني أهل لذلك).
وفي حال تنزيل شرط معرفي وأخلاقي وإيماني كهذا، على أهل زماننا، ما يثير الفزع، ويقتضي استدعاء النقيض، ويجلب الشعور بالمقت والوجل، وإذا ما أردت تخفيف شعور كذلك، فليس أقل من الدهشة. فأين بعض (الجالسين) لمثل ما جلس له مالك، وللحديث مع الناس -وإليهم- في تفاصيل أمور دينهم أو مجملها وأمور دنياهم، من تحوط وزهادة في الدنيا والأدنى، ونكران للذات وأهوائها، واتصاف بالتقوى وإعمالها، وابتغاء المقصد الأعلى فيما عند الله؟.
أراد مالك وصحبه تخليص أنفسهم بها من تداع على الزائل، وترفُّع عما يدني من صغار القيمة، ويستدعي عِظم العقوبة، فسمتْ ذممهم، وصفتْ ضمائرهم. فأين بعض أهل زماننا من عين ترقب الله وضمير يخشاه، وعدة علم وفقه فيه، في دعوة الناس إلى أمر، أو حملهم على تركه، وما إلى ذلك من أحوال تستدعيها مقامات وظروف الزمان وأهله؟.
كان مالك في عصره حبراً يؤمه طلبة العلم والراسخون فيه، وعامة الناس وخاصتهم، وكان لا يغض طرفاً مستهيناً بأصاغرهم، ولا يخفض رأسه خضوعاً لأكابرهم. بل كان إماماً في ميدان العلم فقهاً وحديثاً، يدني له همة الطلب، ويجتهد فيه طلباً للرسوخ، حتى صار من أعلام العلم والدين. طارت الأسفار وكتب الرجال ومدونات سيرهم، ومتون الفقه الإسلامي بما يدل على عبقريته وسعة علمه، وورعه الصادق، فلم يخل أي منها من شوارد أقواله وآرائه الفقهية واجتهاداته، التي أمتثل لما تنص عليه وتدعو له، ومنها ما صدَّرنا به هذه المقالة.
وعوداً على ما لم يكن بدءاً - بل تالياً متأخراً ينز عجزاً وإكراهاً يدنو من عقوق لحق العلم وحرماته- ألفينا من بعض مَنْ خلف مِن المشتغلين بهذا المجال يقتعدون مجالسهم في غير المساجد، استجداء لدنيا يصيبونها، أو مصالح يذودون عنها بالمناكب، يحثون الخطى خلفها في كل محفل فضائي أو تجمع جماهيري، أو مقام يتداعون إليه لإدراك نصيب من التكالب على زائل يرجون ديمومته، وثمن بخس يرونه كبيراً، وهو في مقياس القيمة صغيراً.
وثمة وشيجة عظمى تربط أولئك بكل ما نفاه مالك في مقولته، وبمنأى عن كل ما قرره واشترطه فيها. فلا هم وجدوا حرجاً في الجلوس، شاء من شاء وأبى من أبى، ولا هم شاوروا، ولا شهد لهم نصيف ذلك العدد ولا خُمسه من شيوخ العلم وأهله.
على مقربة هم، من محاذير وصفات أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بأنها وأنهم من مظاهر آخر الزمان وشواهده، التي يشيب لها الولدان.
وأصبح ميزان ما بين الحق، وبينهم، ميَّالاً إلى ما يبتغونه، فكثر لديهم الأتباع، وتكاثرت في نفوسهم التطلعات إلى استدرار العواطف واستمالة الأشياع، والجهر بمعاداة المخالفين، وادعاء امتلاك الحقيقة، وتسفيه المختلفين معهم، والحطِّ من شأنهم، ومشانأتهم، وأصبح ميزان صلاح الناس في نظرهم الانقياد إلى ما يقررونه، والامتثال إلى ما يصطفونه، مرة بتغييب العقل، ومرة بقصر النظر، واختلاق الذرائع. ومرة ومرة...، والأمر كذلك، أضحى لكل جماعة شيخ، ولكل فصيل إمام، ولكل أمة داعية يفرزها أقواماً ويشرخها أقليات، يراهن على رأيه الأصوب، حتى استعطى منهم العهد، بأنه سراجهم في الملمات، ومنجيهم في غبراء الخطوب والإحن.
وأضحى لكل قناة حامل لواء علمها وفقيه شرائعها، فاستدبر الناس الأصول إلى الفروع، واطَّرحوا المقاصد العليا، إلى تفصيلات هي مرتع الشقاق ومباءة التباغض والإقصاء ومحفل الاستقطابات، فانقسم المجتمع، وانقسمت الأسرة، وتشتتت الذات تلوي على أي الفرقاء قربى إلى مداهنة ما تأصل في أعماقها من قناعات.
وفيما يحدث في بلاد العرب خير دليل على مجاذبة الدنيا للدين، ومناهزة أحلام الساسة وطلاَّب السلطة والجاه والمال، والطامعين في دوائر الضوء لشعارات دينية جرى اجتثاثها من سياقات ترفعها، إلى مطامح ومطامع تدنيها من قاب الترخص والاستغلال، وكلهم حاطب ليل، يستجمع طاقته للمِّ ما يراه نصراً، وهو يحمله وزراً.
فلا تبصر في مشهد كذلك، غير التعادي والتباغض. ويزيد من غشاوة المشهد استحلال الدماء، والوصاية على الضمائر والنوايا، ووهن ذمم تنوء بأحمالها في تصنيف العباد، وإقرار المصائر والمعاد.
وكان فيما كان مما لست تعهده، أن أفضى مالك وأصحابه إلى ما قدموا، وكانوا سلف أمة هي الأخْير، وأئمة علم وتقى واجتهاد، وبصائر استقامت على سبيل قادت به زمانها، وأسلمته خالصاً من رزاياه.
حبَّر أولئك السلف المتون، أسقوها ماء عيونهم ونورها، وصوت ضمائرهم النقية، وخلاصة علمهم الراسخ، لا يلوون على غير أداء حق الأمة في رقابهم، فانقادت تلك الرقاب إلى إرادة الله، فارعة القيمة، مترعة بالجلال، نقية من الأوشاب، فكان خلاصها بإخلاصها إلى الله ورسوله، وليس لأولي حول أو طول، أو مطمعة في بقايا من أوضار الدنيا ومتاعها.
وقد يقول قائل، لم يخل زمن الأسلاف من أدعياء، أو مدَّعون، أو جذور لذؤابات أشجار يرف علينا ظل أو ضلال حقيقتها، وليس في ذلك ضير وليس محلاً لخلاف، لأن الحجة قائمة بالقاعدة على الاستثناء، الذي لم تسلم منه سني النبوة الأولى.
وليس أجدى إلا أن نختم ما بدأناه بمقولة مالك، بقول المرضي عنه علي بن أبي طالب:
كل امرئ قدره ما كان يحسنه
وللرجال على الأفعال أسماء
وضد كل امرئ ما كان يجهله
والجاهلون لأهل العلم أعداء
على شرط مالك
محمد الدبيسي5 دقائق للقراءة

حجم الخط
