الكثير من عباراتنا تكون أجمل وهي أسيرة المعجم، وكأن التحرير والتحوير والمعازف خطيئة كبرى بحقها، وأحياناً حتى توظيفها لوصف حالةٍ لا تجد مرادفاً يقوم مقامها ينُظر إليه كنوع من التقعّر اللغوي، وأحياناً تكون ضرورة مُلحّة كي تخدع القارئ وتشعره بالملل والرتابة، ليكفّ عن مواصلة قراءة ما تكتبه، ليس خوفاً من القارئ بذاته، ولكن خوفاً مما تحدثه ردة فعله التي حتماً سينحاز لها الرقيب الذي يجادلك دوماً، ويحاول إقناعك بأنه هو يفهمك ويعرف سلامة نواياك ولا يُزايد عليك بأي شيء، ثم يختم محاضرته الأنيقة بالقول إن القارئ ذكي!
فالرقيب (الرسمي) بطبيعته متوجس، خاصة إذا قرأ عبارة مكتوبة بطريقة الأثر (ما بال أقوام) فإنه حينها سينشغل، ليس بمعرفة هؤلاء القوم، بل بكيفية تخمين القارئ للأقوام الذين يقصدهم الكاتب، لأنه مؤمن بـ»ذكائية» (نرجو حفظ حقوق المصطلح) القارئ الذي قد يحمّل بذكائه المُرعب بوصلة النوايا، فحتى بمسألة الفهم فإن (الكثرة تغلب)، ولهذا يجب أن تُحترم ديموقراطية الفهم، خاصة أن الكاتب يُرسل مادته قبل وقت من النشر، ولو صادف يوم نشرها حدث ما وحديث شارع، فإن المقالة لا محالة ستُقرأ إسقاطاً على الحدث!
وهكذا تجد نفسك مُرغماً على المشي في ممر ضيّق، أرضيته مبللة بالصابون، وعلى أطرافه بقايا زجاج مهشّم برؤوس حادة ومدببة. وللأمانة بقايا هذا الزجاج من الواضح أنها من النوع الجيّد والنخبوي جداً، فيما صابون الأرضية ليس له رائحة، ولا يبدو أن له علاقة بالتنظيف، الشيء الوحيد الذي يجعلك تشك أن جذوره تنتمي لعائلة الصابون هو الانزلاق فقط!
هذه الأجواء من الممر الضيق ذي الأرضية سالفة الذكر، والحواف المُخيفة، تجعل الكاتب يُنتج مقالاً أستطيع أن أُسميه (المقال الآمن) أو (المقال المُريح)، وهو المقال الذي لو حذفت ثلاثة أرباعه الأولى لبقيت المقدمة، ولو حذفت أوله وآخره لبقيت مقدمة مقال أيضاً، ولو استعنت بالله وقرأته كاملاً ستكون قرأت ثلاث مقدمات في مقال واحد، تماماً كهذا المقال الذي ما زال يُفكّر في تجاوز ذلك الممر، أشبه بلاعب كرة القدم الذي يعرف أن تسديدته التي ترتطم بالقائم تُثير المدرجات في أحيان كثيرة أكثر مما يثيرها الهدف، لكنه يعلم أيضاً أن التاريخ سيحفظ (الهدف) حتى لو كان بخطأ من الحارس المنافس، التاريخ الذي يهمل «التمريرات العبقرية»، ويتجاهل المدافع الذي ضحّى «بساقه» ولم يسمع سوى صرخاتٍ غاضبة تُطالب بأن يُخرج بسرعة من الملعب كي يُستأنف «اللعب» فيما هو يخرج بكامل «جديّته» غير مأسوف عليه، فالعبرة بالنهاية، والمتعة بالمقدمات، لهذا يحرص «النادل» على «أناقته» الشخصية، أما لذّة ما يقدمه فتلك ليست مسؤوليته، بل مسؤولية الطاهي الأشعث الذي لا يحصل على «البقشيش» ولو احترق به المطبخ فسيتم التكتّم على الحادثة.. وسيواصل النادل ابتسامته الأنيقة.. هو حُر بالتأكيد في توقيت الوقوف أو المرور، وفي نفس الوقت هو مؤمن بأن الحرية لا تنتظر.. لذا كتب مقدمته ولم يتوقف.. كتبها ومضى!
***
أُحاول الخروج من مأزق المقدمة، فهي أحياناً «ساخرة» ومُربكة، فعند العودة، أو ما يُصطلح على تسميته بـ«التراجع» يكون الأخير هو الأقرب لنقطة العودة، أي أنه في المقدمة!
وفي ذاكرتنا الجمعية يأتي سؤال التقدّم (على من؟) وليس (إلى ماذا؟)، فالتقدم يأخد صفة (الهروب) في تفكيرنا، وليس من المنطقي أن تسأل هارباً عن وجهته، حتى لو كان هو (قائد) وموجه ومُلهم الهاربين، تماماً كما أفعل الآن في هذه المقالة، وكما يفعل العرب، كل العرب منذ القدم حتى التقدم –إن كان ثمّة تقدم- ولهذا يفخر العرب بأنهم أُمة شاعرة، والشعر هو ممارسة أنيقة للهروب، ففتح أبواب الكناية والمجاز يُتيح لك الركض بحرية وبتحرر من (إلى أين؟)، وبنفس الوقت يهيئ لك مساحات رحبة لتصنع «المقدمة» كما تحلم بها وليس كما هي في الحقيقة، ويخلق لك رئة ثالثة لمواصلة الركض نحو «التيه» الذي لا يهمك أصلاً، فالهدف الحقيقي –لحظتها- هو (الهروب) بذاته، وليس الوصول (لهدفِ ما)، ولهذا أظنني لا أقسو عندما أقول إن مجتمعنا بطبيعته مجتمع (هارب)، وفي رحلة الهروب الجماعي هذه فإننا نعتبر المنطلقين أولاً هم الذين في المقدمة، ونتجاهل كونهم في الاتجاه الخطأ، نبدو منطقيين في رؤيتنا هذه، لكن ما إن يقرر الجميع العودة لأمر ما حتى نشعر بأننا في المأزق فعلاً، فالعائد لنفس النقطة التي انطلق منها يشعر أن ذلك تقدم/ نضج، حيث إنه كان -كما أيقن لاحقاً- في الطريق الخطأ، لكنه بدلاً من تصحيح الوجهة اختار أن يعود للنقطة الأولى، لا لينطلق منها، رغم أنه ليس بحاجة لهذه العودة، ولكنه عاد ليقف في ذات النقطة، فيما نحن نحتفل بعودته الشجاعة.. انتهت مساحة المقال ولم يتبق لي سوى التلويح!