تكشف مسيرة القطاع العقاري في السعودية عن معلومات مهمة، وأسئلة حائرة، تؤكد في مجملها أن المملكة تمتلك قطاعا عقاريا بإمكانات جبارة، قل أن توجد في دول مماثلة، لكنها غير مستغلة بالكامل، الأمر الذي أوجد -بحسب عقاريين- سلبيات عدة، وأخطاء فادحة متراكمة، حدثت على مدار عقود مضت، وارتكبها بعض من له علاقة بالقطاع، وتسببت هذه السلبيات في غلاء الأسعار واحتكار المنتجات وانتشار العشوائية في السوق، وهو ما استدعى في نهاية المطاف تدخلا حكوميا في القطاع للقضاء على سلبياته.
ويرى عقاريون أن التدخل الحكومي في حد ذاته لحل أزمة السكن، يؤكد فشل القطاع الخاص في القيام بمهامه الاستراتيجية، في توفير منتجات عقارية متنوعة، يحتاج إليها أفراد المجتمع، ويؤكد في الوقت ذاته الحاجة إلى تلبية مطالب قديمة خاصة بالقطاع العقاري، وعلى رأسها إنشاء هيئة عليا للقطاع، مهمتها وضع الأنظمة والتشريعات التي تضمن استثمارا كاملا لإمكانات القطاع، وتطوير العمل فيه، والقضاء على نظرة بعض المستثمرين للقطاع على أنه سوق استثماري، يتم فيها تداول منتجات عقارية «غير مكتملة»، بما يحقق الأرباح العالية، دون أن يحقق الأهداف المرجوة من أي قطاع عقاري.
وخلال عقود مضت، طالب عقاريون ومسؤولون ومواطنون بتصحيح أوضاع القطاع وترتيب أوراقه المبعثرة، ورأوا أن هناك عشوائية واضحة، تحتاج إلى من يعالجها في أسرع وقت ممكن، وكثرت مطالب البعض بتأسيس هيئة عليا للقطاع، لتكون مظلة حكومية للقطاع والعاملين فيه، وطالب آخرون بإقرار نظام الرهن العقاري، لتعزيز برامج التمويل العقاري التي كانت تعاني من ضعف واضح في المملكة، فيما دعا آخرون إلى دعم وزارة الشؤون البلدية التي كانت تدير ملف مِنح الأراضي، قبل انتقاله إلى وزارة الإسكان.
ولم تلتفت الجهات الحكومية إلى هذه المطالب في حينها، إلى أن تم تأسيس وزارة للإسكان قبل نحو أربعة أعوام، وتوقع البعض أنها ستقوم بدور الهيئة العليا للقطاع.
المضاربون يحتكرون الأراضي البيضاء
يوضح العقاري عبدالله الغامدي أن المواطن السعودي يدفع ثمن أخطاء حدثت في القطاع منذ عشرات السنين.
وقال: المملكة تمتلك قطاعا عقاريا نموذجيا، يضم الاستثمارات الضخمة، والخبرات العالية، والشركات صاحبة الإنجازات، والأهم من ذلك أنها تمتلك سوقا متعطشا للمنتجات العقارية، من سكنية وتجارية واستصلاح أراض، ورغم ذلك لم يكن للقطاع أي دور مؤثر في حل أزمة السكن على مدار عقود مضت، بتوفير منتجات عقارية يكثر عليها الطلب، وبخاصة السكنية منها، ورأينا بدلا من ذلك سوقا مترهلا، ليس له مظلة حكومية تراعي مصالح المستثمرين والعاملين فيه، وبات كل عقاري يعمل بالأسلوب الذي يحقق له أكبر ربح ممكن، فرأينا البعض يمتلكون مساحات كبيرة من الأراضي، تفوق حاجتهم، والبعض الآخر يضاربون في الأراضي، ويربحون منها ذهبا، ورأينا أيضا البعض يحصل مكاسب من وراء السمسرة في المنتجات العقارية غير المكتملة، وبات السوق مفتوحا لكل مضارب، أراد أن يبحث عن مكاسب سريعة، ما أوجد عشوائية كبيرة في السوق، في ظل غياب الأنظمة والتشريعات التي تمنع التجاوزات، وهو ما تسبب في تراكم الأخطاء في القطاع، إلى أن أصبحنا نعاني أزمة سكن معقدة، لا يصدق البعض أن تحدث في بلد بحجم المملكة العربية السعودية، صاحبة أكبر مساحة أراض في الوطن العربي، وأكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف: لنا أن نتخيل لو أن مطالب العقاريين قد تحققت في حينها، وأهمها تأسيس هيئة عليا للعقار، وإقرار الرهن العقاري، وفتح النطاقات العمرانية، والمسارعة في تسليم المواطنين منح الأراضي المستصلحة التي تقع داخل النطاقات العمرانية، لما كنا نعاني من أزمة سكن اليوم، ولما كنا نعاني من غلاء في أسعار المنتجات العقارية، ولما اضطرت الحكومة أن تتدخل بكل ثقلها لحل أزمة السكن، وتخصيص 250 مليار ريال، لبناء 500 ألف وحدة سكنية، مشيرا إلى أن أسواق العقار في العديد من الدول المجاورة، تدار بتلقائية شديدة، ويقوم العاملون فيها بدورهم الطبيعي في توفير منتجات عقارية، تسد حاجة المجتمع، دون تدخل الحكومات بشكل مباشر، وإن تدخلت، يقتصر دورها على الدعم والتحفيز وسن الأنظمة.
إيجاد بيئة مناسبة للقطاع الخاص
جدد العقاري فيصل الزهراني مطلبا قديما بإنشاء هيئة عليا للقطاع، وقال إن الجميع اعتقد أن وزارة الإسكان ستقوم بدور الهيئة، لكنها لم تفعل.
وأضاف: مشكلات القطاع العقاري عميقة وقديمة، وللأسف لم يلتفت أحد إليها، وليست هناك جهود لحلها، مشيرا إلى أن الحلول المطلوبة لنجاح أي قطاع عقاري في العالم، أن يجد العاملون والمستثمرون فيه، البيئة المناسبة للعمل والإنتاج وإقامة المشاريع الكبيرة، وهذا الأمر لم يتوفر في عهد وزارة الإسكان، التي رأت أن دورها ينحصر في بناء 500 ألف وحدة سكنية فقط، وتمليكها للمستحقين، بصرف النظر عن الآلية التي ستتبعها لتحقيق هذا الأمر، والخسائر المترتبة على هذه الآلية.
وتابع: القطاع العقاري الخاص لا بد أن يعود للعمل والإنتاج، ولا بد أن ينتعش من جديد، ليسهم بمشاريعه وخبراته في حل أزمة السكن، وإذا رأت وزارة الإسكان أن بمقدورها الاستغناء عن جهود القطاع الخاص على طول الخط، فهي واهمة، وربما خاسرة، خاصة إذا علمنا أن الوزارة تركز في الوقت الحالي على توفير وحدات سكنية بمواصفات محدودة، قد لا تناسب جميع الأذواق والمستويات الاجتماعية، وبالتالي لا بد من جهود القطاع الخاص، الذي يستطيع أن يوفر منتجات سكنية جيدة ومتفاوتة المستويات.
ورأى الزهراني أن وزارة الإسكان أمام فرصة ذهبية للهيمنة على القطاع العقاري، إن وجدت آلية عمل للتعامل بها مع شركات القطاع الخاص.
وقال: هذه الشركات تمتلك كل شيء، مثل الخبرات والأموال والعمالة، ولكنها لا تمتلك الصلاحيات لسن أنظمة وتشريعات تنظم بها سوق العقار، وترتب أوراقه، وهذه الصلاحيات قد تمتلكها وزارة الإسكان أو تسهم في إيجادها بالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى.

