أكتب هذه المقالة وأنا على إحدى طاولات "ستار بوكس" ولأول مرة أدخله بمفردي، فدائما ما أكون برفقة أحد الأصدقاء لأنني لا أومن بالخلوة غير شرعية مع النفس الأمّارة بالسوء.
.
نظرت إلى إحدى الزوايا في المقهى فإذا برجل ملتزم "أربعيني" أنيق المظهر يكسو شعره البياض الناصع، يبدو لي أنه عابر سبيل، انتقلت إلى الطاولة التي بجواره وألقيت التحية والسلام عليه، بدأت الحديث معه حول تغيُّر الطقس هذه الأيام وكمية الأمطار التي هطلت على الرياض وما جاورها، واتضح لي أنه غير متجاوب معي رغم أنني شعرت بالارتياح للحديث معه، فباغتني بسؤال بعيد كل البعد عن محيط موضوعي، سألني أين تقع وزارة الصحة في الرياض: أجبته قريبة من هنا.
.
في هذا الاتجاه -فأشرتُ بيدي-، سألته مباشرة "عسى خير"؟ فأجابني "ومن وين الخير" وبدأ يتمم بـ"الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه"! بدأت أتراجع عن إكمال الحديث معه، فأنا دائما لا أحبذ الاقتراب أكثر مع الغرباء بشكل كبير ولا أتدخل في خصوصياتهم أكثر من ذلك، تلقائيا بدأ الرجل يسهب في الحديث دون أن يشعر! فسرد لي قصته مفادها "أنه كان في أحد المستشفيات لإجراء بعض الفحوصات الروتينية إثر تعب ألمّ به ففوجئ بنتيجة التحاليل الطبية أنه مصاب بمرض نقص المناعة الإيدز"، صُعق من هول الموقف، خرج مباشرة من المشفى ليدخل عالم آخر غير عالمه "عالم الأموات"! تأثر نفسيا واجتماعيا، فقد عرف بذلك الأهل والأصدقاء، عاش في حالة عزلة تامة إلى أن دخل الصحة النفسية حيث إنه كان يؤمن أن الصحة النفسية للمريض لها دور كبير في العلاج في مثل هذه الحالات، دخل الرجل مستشفى الصحة النفسية في مدينته وبدؤوا بأخذ تحاليل روتينية وتحاليل دم شاملة فاتضح أن الرجل سليم 100% من فيروس الإيدز، لم يصدق فني المختبر فأعاد له التحليل دون أن يعلم الطبيب المعالج فاتضح بأنه سليم 100% أيضا، ذهب إلى الطبيب وأخبره وأعاد له الطبيب التحاليل مرة ثالثة وأدى إلى نفس النتيجة "الرجل سليم من الإيدز"! توجهوا إلى غرفة المريض ووجدوه مستلقيا يتمتم بالآيات، فأخبروه أن كل التحاليل التي أجريت له سليمة وخالية من جميع الأمراض والفيروسات، ووقف متفاجئا صالبا طوله ولم يصدق الخبر.
المهم أنه أخذ ورقة المغادرة من المستشفى وأخذ ما بجعبته من أغراض شخصية وذهب إلى أكبر مركز مختبرات في منطقته مباشرة ليتأكد من نتائج فحوصاته فاتضحت سلامته وخلوّ جسده من أي مرض معد ثم اتجه إلى المستشفى ليخبرهم بأنهم تسببوا له بمرض نفسي بالإضافة إلى الإساءة لسمعته في المجتمع المحيط به وأن بينهم وبينه القضاء والمحاكمة شرعا.
هو الآن في طريقه إلى أكبر مسؤول في وزارة الصحة لتقديم شكواه وما حصل له ليذكره بين يدي وزير الصحة ضد المستشفى الذي تسبب في دماره لبضعة أيام، ومضى في رعاية الله حاملا حقيبته آخذا عهدا على نفسه أن يرد اعتباره ما دام أنه في بلد يحكم بالشريعة الإسلامية.