لم يكن يتخيل الفرق الشاسع بين الصورة الوردية، وأصلها القاني قبل التقاعد.
فأين السرير الهانئ على شواطئ الأحلام، وأين الصحة والرشاقة والرياضة، وأين العصائر والفواكه والأطعمة من لذائذ البحر، وطيبات البر ومخلوقاته.
أين الطائرات تدور به حول الأرض، وسيارات الليموزين الفخمة تحمله على الأرائك في النهار والليل ليجول بأضخم الفنادق، وأفضل المقاهي وحول المتنزهات والأنهار والشلالات وهو يرتدي حللا جديدة تنطق بالسعادة، يستبدلها في كل يوم وليلة، ليستمر منظره المبتهج زاهيا مفعما بالنشاط والبهجة والحب، وهو محاط بأحضان المحبين من الأهل والأصدقاء.
أين البطاقات المذهبة والبلاتينية، والتي يناولها محبة لزوجته وأبنائه فيشترون ما يعن على خواطرهم الرقيقة، دون تردد.
أين تجواله الاستكشافي والتثقيفي بالمتاحف ومواقع الآثار العالمية، وحدائق البراري المفتوحة، والسينمات والمسارح، وتمتعه بالتسوق والفنون والهوايات.
أين رفيفه عائدا من الخارج إلى وطنه على جناح الشوق ليجد السائق ينتظره بسيارته الخاصة، ويحمل حقائب الأسرة الملفوفة بسعادة أسرية.
أين لهفته بحنين وأشواق ليحتضن حارته ومنزله، الذي يجد فيهما راحة الدنيا ومشاعر فخر الوطنية، وتدمع عينه فرحا والجيرة والأصحاب يستقبلونه مرحبين متشوقين بعودته الميمونة من سياحته الاستجمامية، ويؤكدون عليه أن الاحتفال بعودته سيستمر حتى موعد رحلته القادمة.
الصورة الزاهية، التي كانت تدور في مخيلته عندما فاجأه التقاعد كانت مختلفة عن الحقيقة الصادمة المُرة، فكأنه كان حالما في يومها الأغبر.
لقد اكتشف ساعتها أن الراتب فعلا لا يفي بالحاجة، وأنه يجب أن يبحث عن مورد رزق يسد به رمق أهله.
حمل ملف سيرته الذاتية الثقيل، ولم يترك مكانا إلا وخرج منه منكسرا، فالكل لا يريدون توظيف المتقاعد، ومن يريد منهم ذلك فلا شك أنه يريده كخدمة شبه مجانية، أو بمرتب لا يكفي المواصلات.
لقد أحبط وانكسر وتألم حين عرف أنه لم يعد قادرا على تلبية طلبات البيت الأساسية، فأصبح يهرب من وجه زوجته المكتئبة وأسرته إلى ملحق منزله الصغير، ويوصد على نفسه الباب خشية ضيف يقرعه.
كان ينطرح طوال يومه أمام الشاشة المملة، بكسل يغفو ويصحو، وهو يرتدي سرواله القديم، وفانلته المهترئة من كثرة الغسيل.
كان يملأ (ثرموس)، الشاي في الصباح الباكر بنفسه، ويظل يرتشف منه طوال يومه، أما الطعام فكان يُدعى إليه مرات في داخل المنزل، وهو يتهرب ويحاول أن يكتفي بصحن من الفول ليخمد في ليله، وصحن من الأرز يرسل له في النهار ليتضخم كرشه أكثر، ويزداد وزنه وضغطه وسكره حرجا.
حياته أصبحت ملحقا، لا قيمة له، فهو لا يتمكن من تلبية طلبات أحفاده، بل لقد أصبحت أخلاقه عنيفة مع كل من يقتحم زنزانته الانفرادية.
لقد غضب أياما، واحتار شهورا، وحل اليأس على رأسه حتى مات قاعدا.
وهذا ببساطة لأنه وثق بأنظمة معاشات، وتأمينات مفترسة، أكلته لحما ورمته عظما.