(1)
ليس في قاموسه شيء غير مهم على الإطلاق، هو الساكن دوما في (الواجب) و(الحتمي) و(الضروري)، لا يظهر إلا حينما يكون التجلي حاسما وأمرا فاصلا، ولا يتحدث إلا حين يكون (الكلام) مبررا ووسيلة للحياة ضد تحديات الطمع والقسوة والقهر، وحين يصبح (الكلام) مرتبطا بكرامة الإنسان وعز (الوطن) وأمن البلاد، وحين يتعلق (بالكلام) ألف أذن وأذن تنتظر، لتصيغ (بحسبه) قانون الحياة!
بالتأكيد فكل (المهمااات) تشير إليه.. وكل مفردة للحسم والفصل والسياسة تدل عليه: وزير السياسة الخارجية لبلادنا منذ ما يقارب الأربعين عاما، الأمير سعود الفيصل آل سعود (سلمه الله، للبلاد والعباد).
(2)
أن تتسلم أمر (حقيبة) ترتبط (ملفاتها) و(أوراقها) بفضاء في حدود الكون الرحيب، بما يختلج فيه من أنظمة سياسية وتعقيدات أيديولوجية ومواقف متحولة ومصالح مشتركة وغير مشتركة، وتكون (أمينا) على معطياتها وأهدافها وغاياتها الدولية الكبرى، ومتألقا في أدائها على الوجه (الأمثل)، ففي ذلك من (الروعة) و(الإبداع) ما يطغى على كل مثيل..
وأن تتسلم أمر تلك (الحقيبة) وتؤدي شروطها ومطالبها وتحقق غاياتها بنجاح مذهل وتألق يتزايد عاما بعد عام خلال أربعين عاما، فذلك هو قمة الجمال والإتقان والبراعة، التي تثير الإعجاب وتلوي الأعناق، وتستفز أقلام التاريخ لصياغة سيرة أحد الرموز بمداد من فخر وعزة وذهب!
(3)
كثيرون هم الذين عرفوا الذكاء والدهاء والفطنة التي يكتنزها عقل (سعود الفيصل)، وحاولوا أن يستفزوه، ليتسرع ويخطئ، أو ينسى فيقع، سواء أكان هؤلاء من السياسيين أنفسهم أو من أصحاب الميديا السياسة (الرهيبة)، ولكنه كان يلجمهم في كل مرة بكلمة أو اثنتين، لا تزيد أو تنقص إلا قليلا، تأخذهم إلى الماء عنوة، ثم تردهم عطاشى متربصين من جديد..!
وقد أثبت تلك (البراعة) واعترف بها الكثير من السياسيين شرقا وغربا، فقد قال عنه وزير خارجية بريطانيا (ديفيد ميليبند): «إن سعود الفيصل يحصل على ما يريد دائما»، أما الرئيس السوفيتي الأسبق جورباتشوف فقد ذهب (مديدا) في التعبير عن إعجابه بالفيصل وهو يقول: «إنه من الرجال القلائل الذين يجب أن تتابع بدقة وحرص كل كلمة ينطقون بها، لأنه يعرف ماذا يقول؟ وماذا يريد من قوله؟ فليس في مفرداته شيء غير مهم أبدا»!
(4)
ومن المشاهد التي تلفت النظر وتؤكد القيم (الثمينة) في شخصية الأمير سعود الفيصل، زهده في ترف الحياة ومتع السلطة، فلا أظن أن أحدا يعرف للرجل (الأمين) قصرا من قصور (شتى)، ولا أراض (بيضاء) و(سوداء) ممتدة بامتداد الشبوك على طرقات البلاد وبين المدن!
ما يشغل (الأمير) أكبر وأسمى من تلك المغريات الزائفة، وهو يقرر أن يعيش في الفضاء السياسي العام (على الهواء مباشرة)، إذ ليس ثمة حياة (خاصة) في الزمن (الكلي العام) لابن الفيصل، فهو ما إن يصل إلى بلاد، حتى يغادرها إلى أخرى في الاتجاه المقابل البعييييد! وما إن يحضر مؤتمرا أو قمة إلا أن ينطلق منها لحضور جلسة مجلس الوزراء من كل أسبوع!
يقول عن نفسه - ونادرا ما يقول - «إن أعماله لا يكفيها الوقت على الأرض، فيأخذها معه للفضاء»، في مكتبه الأثير على طائرته المنهكة من الترحال.
ولكن - وفي لحظات قليلة جدا - عندما يهجع (سياسيو) العالم، وتسكن الدنيا (فجأة)، يستغل
(سعود الفيصل) هذه المصادفة العجيبة لرحلة خاطفة (يرمم) بها انحناءات الجسد، وما اعترى حالته الصحية في الآونة الأخيرة من تعب ومرض.
ولا شيء..لا شيء ..غير ذلك!
(5)
يخامرني الأسى مقترنا بالزهو والإعجاب الفاتن وأنا أرى (الأمير الفذ) يغالب تعبه، ويخفي آلامه، ويجاهد (مداراة) أعضائه، حتى لا تخونه في لحظة سياسية تاريخية متجددة في حياته، عندما يتعلق الشأن بخطاب أو تعليق يجب أن يقوم به (وزير خارجية المملكة السعودية)، وليس هناك إلا سعود، يرتب أفكاره على عجل، ثم ينظمها (بحرفنة) قائد شاب ملهم، وبلاغة (شاعر) عربي موهوب، ثم (يقولها) بمزيج من حكمة ووجع!
الله..عندما تكون (الكلمات) ثمينة إلى هذا الحد!
وكلمات (الرجال) يجدر بها أن تكون (ثمينة) دائما، وفي (مكانها وزمانها) المناسبين!
إنها اللغة التي اختارها (الأمير ابن الفيصل) لينظم بها علاقته بالأشياء..والحياة..أو فلنقل:(بالسياسة)! وما الأشياء والكون والحياة في ذهن هذا العظيم إلا سياسة، من الصغر وحتى الشباب وإلى الهرم!
سدد الله خطاك يا...(سعود بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود).