القصيبي تنبأ بمعالم الشرق الأوسط الجديد
عصام عبدالله - واشنطن
شاركت بدعوة من وزارة الثقافة البحرينية في كتابة مقال للنسخة السادسة من سلسلة كتاب أطياف، بمقال عنونته بـ»غازي القصيبي: اللامصنف»، حيث خصصت في 2014 للحديث عن الراحل.
القصيبي الذي اعتبر غزو صدام حسين للكويت 1990 حدثا بالمعنى الفلسفي التاريخي للكلمة، وهي اللحظة التي يتصدع فيها الزمان وينفتح على أحداث أخرى قادمة، لا يمكننا توقعها أو التنبؤ بها. ورأى بأن حرب الخليج استطاعت اجتياح المجال العربي العام، واستحداث تاريخ مفصلي ليس في الشرق الأوسط، وإنما في العالم قاطبة، ودشنت معها تاريخا جديدا.
نهاية القومية
ونستطيع اليوم أن نتحقق من صدق رؤيته -وإن شئت دقة نبوءته-، لا سيما بعد احتفاء العالم بالذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، التي رسمت معالم الشرق الأوسط الجديد وفي القلب منه العالم العربي.
وتنبأ بنهاية «الدولة القومية» بعد أن غزت جيوش صدام حدود الكويت، ما يعني نهاية حلم القومية العربية، وبداية أخطر لحظات التحدي السياسي والفكري، كما لامس الجدار المكهرب للفسيفساء الثقافية - الاجتماعية للشعوب العربية على تباينها، وما تحمله الطبقات النفسية العميقة تجاه الآخر والمختلف.
على مستوى الجغرافيا يجري التقسيم الناعم اليوم على قدم وساق فيما يشبه سايكس بيكو 1916 جديدا، أو شرق أوسط جديدا، وعلى مستوى الديموجرافيا يتكفل الصراع الدموي الطائفي والعرقي برسم خرائط لكانتونات وتقسيم طائفي وعرقي، يحدد خطوط الطول والعرض لهذه الفسيفساء الثرية. ربما يجمعها إطار إقليمي كونفدرالي في المستقبل، لكن في النهاية يتم تصفية فكرة الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج.
رؤية المستقبل منذ التسعينات
أصدر الباحث السياسي الأمريكي هنري كيسنجر في 2014 كتابا بعنوان «النظام الدولي»، وهو أشبه بالبيان الرسمي الجديد للقرن الحادي والعشرين، ويتضمن مراجعة نقدية للسياسة الغربية في الشرق الأوسط، من منظور نفسي ثقافي، ورصد لأهم الأخطاء المنطقية التي وقع فيها الغرب خاصة أمريكا في تعاملها مع المنطقة، منذ نهاية الحرب الباردة 1989 وحتى اليوم.
وطرح أسئلة حول طبيعة قيم التقدم التي تسعى إليها أمريكا، وكم يعتمد تطبيقها على الظروف الخارجية، ويرى بأن الإجابة تتطلب التفكير على مستويين يبدوان متناقضين. فيقترن احتفاء أمريكا بالمبادئ العالمية بالاعتراف بالخصوصيات التاريخية والثقافية لدول العالم الأخرى، والتي تمتلك رؤية مغايرة لأمنها الخاص.
ومع ذلك، وحتى نستوعب الدروس الصعبة من العقود الماضية، فقد ثبت أن الإحساس بالهوية لا يمكن أن يتبدد في التاريخ وعلى مر الأزمان. ولا ضمان لنجاح استراتيجية جيوسياسية شاملة للقرن الحادي والعشرين دون أخذ هذه الهويات والخصوصيات في الاعتبار أولا.
كيسنجر عربي
حين تنتهي من قراءة كتاب «النظام الدولي» ينتابك التساؤل والحيرة، لماذا لا يوجد لدينا كيسنجر عربي؟، وبمعنى آخر لماذا لا يتكرر نموذج غازي القصيبي في عالمنا العربي؟. كيف نحول الصدفة التي جمعتنا به يوما وربما بشكل استثنائي، إلى تيار متدفق للدبلوماسية العربية الواعية، ومدرسة في الفلسفة السياسية. تفرز باستمرار هذه النماذج التي نحتاج إليها الآن أكثر من أي وقت مضي، لا سيما وأن الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل حولنا وبنا الآن ليس هو ما قبله على الإطلاق.
أحد أخطاء السياسة العربية على امتداد القرن العشرين، غياب الاستراتيجية الشاملة للتعامل مع القضايا العالمية الملحة، واستشراف ملامح المستقبل ومجابهة التحديات غير المعروفة. ولعل أبرز هذه الأسباب يكمن في غياب الرؤية الثقافية السياسية، وعجز النخب في نفس الوقت - لأسباب متنوعة - عن تقديم ما هو مفيد لصناع القرار، فما أحوجنا اليوم إلى غازي القصيبي، الرمز والنموذج.
مراكز تفكير
إن أحد أهم الدروس التي يمكن أن تفيدنا من القصيبي الدبلوماسي، هو وضع خطة علمية جادة للارتقاء بالمهنية والمعرفة والثقافة، في أوساط أعضاء السلك الدبلوماسي العربي، والذي يواجه مشكلة النقص الحاد في الكادر المهني والتخصصي الاحترافي.
وهذه مسألة لا يمكن أن نتعلمها من الغرب وحده لأنها تتعلق بالخصوصية الثقافية - الجيوسياسية، وطبيعة مجتمعاتنا وقيمنا وهويتنا، ومفاهيمنا الخاصة للعديد من القضايا والإشكاليات. فضلا عن المعرفة الدقيقة بمصالحنا وأهدافنا التي يمكن أن تتعارض أو تتلاقى مع مصالح وأهداف الآخرين.
هذا من جهة أخرى علينا إفساح المجال للمثقفين بالمعنى الواسع والدقيق للكلمة، للمشاركة في الحياة السياسية، ففي أمريكا التي درس فيها القصيبي، وحصل على الماجستير في العلاقات الدولية 1964، توجد أهم مراكز للتفكير «Think Tanks» في العالم، يبلغ عددها 1600 مركز.
وقد تنبهت أمريكا منذ بداية الحرب الباردة إلى ضرورة الاستفادة من ثمار العقول المثقفة، في مجال السياسة والدبلوماسية. ومن ثم أصبح هناك ما يعرف بالباب الدوار، أي أن ينتقل الباحثون الكبار والمتميزون باستمرار ما بين دوائر صناعة القرار «الإدارة والكونجرس»، وبين مراكز الأبحاث والتفكير والجامعات طيلة الوقت.
وهكذا أصبح الدبلوماسي الأمريكي يحوي في جوفه صناعة الأفكار، وأحدث النظريات المعرفية وتضاريس السياسة العالمية في نفس الوقت. كما أصبح الباحث السياسي مستشارا سياسيا رفيعا وعالما قديرا، من هنري كيسنجر، لزبغنيو بريجينسكي، صامويل هينتنجتون، وفوكو ياما لجوزيف ناي، والقائمة تطول.

