«المملكة العربية السعودية» هذا الاسم الكبير، المتردد بجلال وسمو في كل محفل عالمي وإسلامي وعربي يهتم بقضايا الأمتين، فمنذ عهد المؤسس، يرحمه الله، والمملكة تسير بخطى واثقة وأبية، في نصرة القضايا العادلة، واللافت في سياسات المملكة هدوؤها وترفعها عن الهفوات الشقيقة، فلا ترهن مواقفها بمواقف الأشقاء السلبية من قضاياها، بل تتجاوزها إلى النقاط المشرقة التي تعزز «الوحدة العربية».
لو عدنا بالذاكرة إلى حرب الخليج الثانية 1991، واستقرأنا المواقف العربية المؤيدة والمعارضة آنذاك، ثم قربنا الزوم على المواقف المعارضة، وتتبعنا سياسة المملكة بعد ذلك مع ذات الشخصيات والدول التي وقفت ضد قرارات المملكة الشرعية بالدفاع عن نفسها وتحرير الكويت الشقيقة، سنجد السعودية لم تتعنت ولم تتصلب مطلقا في عودة العلاقات إلى حميميتها العربية، من منطلق إيمانها بثقلها ودورها المركزي والمحوري في وحدة الصف العربي دون مزايدات «الهياط السياسي» الرائجة عربيا.
دائما ما نجد السعودية سباقة إلى ردم كل خلاف ينشأ بين دولتين عربيتين، ولا يهدأ لها بال حتى يعود دفء الإخاء بين الأشقاء العرب، ولا يمكن أن تؤخر التزاماتها وتعهداتها لدعم الأشقاء، ونصرة قضاياهم، دون الالتفات إلى المواقف العاقة من قبل بعض الدول أو الأحزاب، فهل يستغرب الحِلم عن سادته يا سادة؟!لو أخذنا القضية اليمنية مثالا نتتبع منعطفاته في حلم السياسة السعودية، ونظرنا بعين المنصف الأمين من أحداث (عاصفة الصحراء) حتى (عاصفة الحزم)؛ سنجد معظم هذه الأحداث تمت في عهد الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح (عفاش)، الذي تنكر لحق الجوار السعودي، ووقف موقفا مشينا من نصرة أشقائه الخليجيين تجاه عدوان صدام حسين، بل تطاول وتجاوز هذا الموقف السلبي إلى التصريح بأطماعه السوداء في الأراضي السعودية، وانتهت الحرب العادلة، وندم عفاش على مواقفه، فلم تقصه السعودية، بل عادت العلاقات ومضت القافلة، رغم افتعالاته المستمرة للخلافات الحدودية، وضعفه في إدارة بلاده أمنيا، حتى صارت من أكثر مناطق العالم انتشارا للأسلحة بأنواعها، وكذلك ضعفه في مكافحة الإرهاب أو تهاونه، لكن السعودية بذكاء وحنكة الدولة الكبرى تعاملت مع هذه الملفات الشائكة بهدوء وروية.
استمر عفاش في مغامراته المجنونة، فصنع الحوثيين البسطاء، وتهاون في شأنهم حتى أصبحوا قوة لا يستهان بها داخل اليمن، لم يأبه حتى جعلهم يتحركون على الحدود السعودية، فكانت حرب جبل دخان عليهم عام 2009، واستمرت القلاقل في عهد صالح حتى ضاق اليمنيون أنفسهم بتصرفاته ذرعا، فاشتعلت الثورة اليمنية، وكاد أن يموت في تلك الثورة، فكان موقف الشقيق الأكبر موقف الحليم الذي دائما يبادر بالخير والإصلاح، فرمّمت جسد الثعلب، واعتنت باليمن حتى عاد من جديد للاستقرار النسبي في وجود حاكم شرعي ارتضاه الفرقاء اليمنيون كي يجروا أول انتخاباتهم الشرعية، لكن عفاش لا يفي بتعهداته مطلقا، فالمراوغة و(الثعلبية) جينة تجري في دمائه، وما أن أحس بالفراغ والصحة، حتى استمال الحوثيين، وانقلب على الشرعية، وأدخل اليمن في أخطر مأزق تاريخي تمر به، وهو انتزاع اليمن بقسوة من عمقها العربي وإهداؤها إلى الفرس على طبق من غباء وأطماع وحقد ومكر استنسخه من شخصه التعيس.
اللافت في كل هذه الأحداث أن السعودية لم توقف دعمها ومساعداتها لليمن، واحترامها الشديد للأشقاء اليمنيين، فما انفكت تبني المستشفيات والمدارس وتدعم البنى التحتية اليمنية، وتسهم بفعالية في محاربة الإرهاب على الأراضي اليمنية بالتعاون مع حكوماته، ولم تعاقب صالح على كل ألاعيبه المكشوفة، لكن المثل العربي الشهير «اتق شر الحليم إذا غضب» يشخص بدقة حال السعودية، فكل تلك التجاوزات لم تغضبها، كغضبتها الحقيقية من إهداء اليمن العربي الأصيل إلى قومية أخرى، وجعله بكل تاريخه الطويل تحت تصرف الفرس الطامعين في المنطقة العربية، هنا يغضب الحليم، وتغضب السعودية، وغضبة السعودية دائما تكون عاصفة، فعندما أغضبها صدام كانت (عاصفة الصحراء)، والآن (عاصفة الحزم) عندما لم يترك صالح أدنى مساحة للحلم.
ربما يرى البعض أني ألمع صورة بلادي في وصفها بالحلم، لكن لدفع هذا التوهم أحيلكم إلى من تعوّد على هذا الحلم، على عبدالله صالح نفسه، عندما شعر حقا بالغضب السعودي الحقيقي واسودّ الأفق في وجهه المحروق ماذا فعل؟ عمد مباشرة إلى محاولة استمالة الحلم السعودي، فأرسل نجله أحمد إلى الرياض بمطالب تعزز مكره وخديعته، لكن السعودية وصلت إلى مرحلة اليأس من هذا الرجل (الثعلب) الذي استمرأ الكذب والخديعة.
تظل السعودية العمق العربي والإسلامي الحقيقي، والوطن المحوري لإحياء القومية العربية وتوحيد صفها ضد كل محاولات المس بالهوية العربية، وتظل مناط الثقة من الجميع، حتى أولئك الذين يحسدونها على سمو مبادئها، رغم انتفاعهم منها.
قيمة الحِلم.. في بكاء الثعلب!!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
