هل من مقياس نرجع إليه حين نحكم على كتاب ما بأنه «تافه» أو «رديء»؟ وذلك أن هاتين الكلمتين وما يحف بهما طالما استعملتا في وصف الكتاب وتقدير قيمته الفكرية أو الإبداعية، حتى حال شيوعهما دون تمييز حقيقي نستطيع به أن نقول: هذا كتاب جليل، وذاك كتاب تافه أو رديء، أو ما شئنا من ضروب التقدير.
وقد يصدق الحكم بالتفاهة على كتاب إذا كانت لغته ركيكة، لا يحسن صاحبه رصف الكلمات وأداء المعنى أداء صحيحا، أو تلك الكتب التي لم يحقق مؤلفوها ما ندبوا إليه تحقيقا صحيحا، ولم يستثيروا مضايقها، فحفلت بالخطأ.
لكننا نقرأ كتبا استوى فيها للمنهج طريقه، وبرئت من الخطأ الفاحش، ومع ذلك توصف بالتفاهة والرداءة، وربما كان هذا الكتاب عندي جليلًا وعند آخر تافها رديئا لا يستحق أن يستهلك منا الوقت والمال.
ولكم قرأت عند هذا الأديب وذلك العالم وصفا لشعراء ومؤلفين هم عندنا من المجودين- بأنهم لا يحسنون نظم الشعر ولا رصف الكلمات، وأنهم بإقدامهم على الشعر والتأليف إنما يجرؤون على الجليل فينزلون به عن منزلته ومقامه، ويصبح أمرا هينا مرذولا! فما مقياس التجويد والرداءة في كلا الحكمين؟ولا أزال أذكر أن واحدا من جلة النقاد والمثقفين كان يعدّ كتب محمد مندور ليست ذات شأن في نظرية الأدب، وأنه كان يقبل، على حذر منه، كتب إحسان عباس، والذي عليه النقاد والدارسون أن كتب هذين الناقدين ذات شأن في الثقافة العربية الحديثة، بل إن ناقدنا نفسه قال ذات مرة: إن كتب الناقد الفرنسي رولان بارط، على قلة عددها، أنفس من كتب العقاد، وقد جاوزت المئة، وعلى ذلك نقرأ ضروبا من القول ترفع هذا الكتاب وتنزل بذلك.
وفي كتاب (حديث الأربعاء) نقرأ فصولا هدم فيها طه حسين أسماء كوكبة من الشعراء والمؤلفين، وهم عند الناس من جلة أهل القلم والأدب، وربما كان الفصل الذي أداره طه حسين على الناقد الرائد أحمد ضيف خير دليل على ما أقول، فلم يبلغ هذا الناقد النابه أن يرتفع في ذلك الفصل إلى مكانة سامية، وإذا بنا نقرأ -وكان من قبل كبيرا في أعيننا- أنه لا يحسن التأليف ولا التعبير عما يريد، وإذا بكتابه، في عين طه حسين، رديء تافه، ولو لم يفه بهاتين الكلمتين!وما لنا نمضي بعيدًا من طه حسين، وحسبنا أن نقف عنده قليلا، فعميد الأدب العربي الذي استهوت عبارته عشرات الألوف من القراء، وجعل جمهرة من الدارسين يقلِّبون أدواتهم في تفرد لغته، وروعة أسلوبه- هو عند علي الطنطاوي لا يعدو أن يكون كاتبًا يلتّ في كلامه ويعجن! وصوَّر الطنطاوي جانبا من كلامه على نحو ينزل بطه حسين عن مكانته التي نعرفها في الأدب العربي، وكأنه لا يحسن نظم الكلام!