كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التصنيفات الائتمانية وأهميتها لما لها من أثر على الاقتصادات العامة للشركات والدول، ولأن ارتفاع مستوى التصنيف الائتماني ينعكس على سعر الفائدة التي يتوجب على مصدر الديون دفعها، فكلما ارتفع التصنيف الائتماني انخفض مستوى الفائدة، وكلما انخفض التصنيف الائتماني زاد سعر الفائدة التي يتطلب دفعها من قبل الجهة المصدرة.
وتظهر أهمية التصنيف الائتماني في حال رغبة الدول في إصدار أدوات دين جديد، فإن التصنيف الائتماني المرتفع يسهم بشكل مباشر في زيادة عدد المستثمرين الذين يرغبون في شراء إصدار دين معين، فالعديد من المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار لا ترغب في الاستثمار إلا في أدوات الدين ذات الجدارة الائتمانية المرتفعة.
وفي المقابل، يعني انخفاض التصنيف الائتماني تراجع الإقبال على أدوات الدين المصدرة، وصعوبة تغطيتها لعزوف الصناديق والمؤسسات المالية عن شرائها، ويؤثر بشكل مباشر على مستوى الفائدة التي يطلبها «مصدر الدين»، لوجود علاقة عكسية بين التصنيف الائتماني، ومستوى الفائدة المطلوب على الدين.
وبتثبيت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني في الأول من أبريل الجاري تصنيف المملكة عند مستوى 3Aa مع نظرة مستقبلية مستقرة، متماشياً مع التصنيف الذي منحته وكالة فيتش للسعودية في فبراير الماضي AA، وكلا التصنيفين يشير إلى جدارة ائتمانية عالية، وبالتالي مزايا اقتصادية تتمثل في مخاطر اقتصادية منخفضة، ومستوى فائدة منخفض عند الحاجة للاستدانة والتمويل في المستقبل.
ويعكس هذا التصنيف، وفقا لوكالة «موديز»، الأصول والاحتياطيات المالية الضخمة للملكة والتي ستمكنها من تجاوز مرحلة انخفاض أسعار النفط، والحفاظ على ملاءتها المالية، كما أن استقرار النظرة المستقبلية يشير إلى القوة المالية الحالية، واستمرارها للسنوات القادمة، لتتغلب على الأثر السلبي لانخفاض أسعار النفط لوجود موارد مالية قوية جدا تغطي العجز المالي الناتج عن ذلك الانخفاض.
ولم تغفل الوكالة الأثر الإيجابي لتراجع مستوى الدين العام للحكومة إلى 1.6% من الناتج المحلي بنهاية العام 2014، مؤكدة أن ذلك سيسمح باللجوء إلى الاقتراض لتمويل العجز المالي، متوقعة أن يكون تمويل العجز الحكومي في العامين القادمين من مزيج من إصدار الديون وسحب من الأصول المالية، ومع ذلك ترى «موديز» أن نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة رغم احتمالية ارتفاعها، ستظل منخفضة جدا بالمقارنة مع غيرها من الدول ذات التصنيف المماثل، مع عدم تشكل أي مخاوف ائتمان.
يلاحظ أن جميع التقارير الاقتصادية التي تصدرها وكالات التصنيف العالمية حول مستقبل اقتصاد المملكة تغلب عليها لغة التفاؤل رغم تراجع أسعار النفط عالميا بما يؤكد أن الاقتصاد في مساره الصحيح، وقدرته على مواجهة التقلبات الدورية، نتيجة حصافة السياسات المالية والنقدية التي تنتهجها الحكومة.
بقاء تصنيف المملكة مرتفعا في ظل التحديات الحالية يعد بلا شك أمراً إيجابيا، لكن السؤال الأهم والذي يفترض أن يكون حاضرا مع صدور كل تصنيف إيجابي، كيف يمكن استثمار التصنيفات الائتمانية العالية التي حصلت عليها المملكة والاستفادة منها؟
إذا ما علمنا أن هذه التصنيفات تصدرها أشهر ثلاث وكالات تصنيف عالمية «ستاندرد آند بورز» و»موديز» و» فيتش» التي تسيطر على نسبة تتراوح بين 90 و95% من سوق إصدار الديون في العالم، مما يمنحها مصداقية عالية وقبولا واعترافا عالميا.
فالتصنيف المرتفع الذي حصلت عليه المملكة يمكنها من الحصول على فرص أكبر لإنشاء مشاريع البنية الأساسية، والمشاريع الاستثمارية بتكلفة أقل مقارنة بالفترة السابقة، لأن قوة المركز الائتماني، وقدرة الدولة على الوفاء بديونها تأخذ في الحسبان عند حساب تكاليف المشاريع، فكلما انخفضت مخاطر التعثر قلت تكلفة التمويل، ويعني ذلك قدرة الحكومة على الحصول على تمويل للمشاريع بتكلفة أقل، مما يعزز استمرار برامج التنمية.
كما أن التصنيف المرتفع سيؤثر إيجابيا على الاستثمارات سواء الداخلية أو الخارجية في البنوك السعودية، لأن ارتفاع تصنيف الدولة سيقود بالتبعية لارتفاع تصنيف البنوك، مما يسهل من عملية التجارة الخارجية ويعزز من عمليات فتح الاعتمادات المستدينة، كونه يعطي إشارات للمتعاملين والمستثمرين بارتفاع قدرة البنوك في الحصول على الأموال، والثقة الممنوحة للبنوك ومستويات الاستثمار والتعامل والنمو، والعكس صحيح في حال انخفضت درجة التصنيف.
علاوة على أن هذا التصنيف سيكون له أثر في جاذبية الاستثمارات في المملكة، كونه يسهم في تعزيز ثقة المستثمر الأجنبي في الاقتصاد السعودي، في ظل اعتماد المستثمرين الأجانب على تلك التصنيفات قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية.
وكل عام وبلادنا واقتصادها في نمو وازدهار.