مشكلة هذا الهَرِم أنه يبدو مقنعاً – لنفسه على الأقل – عندما يتحدث عن تأريخ الأموات والنكسات والهزائم، فعندما «يتوهم» أنه كان مهما وهو يسرد علاقاته وأسرار العظماء الذين رافقهم يكون ممتعاً – لا نبخسه حقّه – سيّما وأن كل الأسرار التي يعرفها كانت لأُناس توفوا منذ أمد بعيد، وبغياب المجايلين تكون أنت وحدك من تملك الحقيقة، بل وتصنع الحقيقة، أقول الحقيقة – جدلاً – فميزتك الوحيدة أنك لم تمت حتى الآن، وهي ميزة لا يشاركك فيها سوى الشيطان الرجيم، لهذا أنت تدّعي أنك تملك ما نسيه التاريخ، ومع ذلك – وللأمانة الأدبية – كنّا نسمعك ونتابع ثرثراتك ليس من باب المعرفة، بل لأننا عرب نحب أن نسمع القصص المثيرة بغض النظر عن مصداقية تلك القصص، فللحكواتية قبول شعبي، ومكان بارز في الذاكرة الشعبية، ولهذا لم يكن الهيكل بالنسبة لنا يوماً أهم من مجرد حكواتي، ولم نشغل أنفسنا يوماً بمعرفة ماهية الهيكل هل هو برونز أم خشب، رغم يقيننا أنه لم يكن ذهباً!
لم نشغل أنفسنا برواياته الكثيرة، لكنه هذه المرة حاول أن يجّرب الحديث عن الأحياء، ولأن من تحدث في غير فنّه أتى بالعجائب، ربما لأنه خلط بين طريقة كلامه عن الأموات والهزائم وبين محادثة الأحياء ومن يصنعون الحياة، فتحدث عن عاصفة الحزم منتقداً ومتفذلكاً ومنظّراً، والفائدة الوحيدة من بيانه المهم أننا أحد أهم أسباب هزائم العرب، فلا شك أن أهمها أنه كان مستشاراً لأصحاب القرار، فمثلاً يرى هذا الهيكل المتهالك أن عاصفة الحزم كانت متسرعة وكان المُفترض – حسب قوله – أن ننتظر حتى القمة العربية لنشاور في الأمر، كان يمكنه أن يسأل أصغر أحفاده كي يخبره أن النجاح الذي تحقق الآن جزء كبير منه كان في التوقيت والمباغتة، وبيقين يُحسد عليه أكد أن الطيران الأمريكي يشارك في القتال، ففي الوقت الذي صرّح فيه جون ماكين أن السعودية لم تخبرهم بموعد الضربة الأولى، يقول الهيكل إن أمريكا تشارك، وبالطبع ذلك أمر مقبول منه لسبب عوامل السن والتعرية، فالحديث عن معلومة في الوقت الحديث ليس كاختلاق معلومة لم يتبق من معاصريها سواك!
عندما يكون الحديث عن الأموات وحكاياتهم وأسرارهم فبالتأكيد سنفسح لك المجال، لكن الآن للأسف، فنحن أولاً مشغولون بمعركة كرامة لكل العرب، وليس لدينا وقت للسمر كي تجتر ذكرياتك السحيقة، ونعدك عندما تهدأ الأمور ويكون الليل مناسباً للتفكّه والحكايات بأن نسمعك ونستمتع، الأمر الآخر الذي يمنعنا الآن من سماعك أننا مشغولون بأمر يهم الأحياء، وعندما يكون الحديث عن الأحياء فالحديث لنا، فلا داعي يا هيكل للغضب لأننا لم نخبرك بما نحن عازمون عليه، رغم أني أستغرب أن خانك ذكاؤك هذه المرة، كنت أعتقد أنك ستصمت لتقول بعد مئة سنة أنك كنت على علم دقيق بموعد ساعة الصفر لعاصفة الحزم، هل خانك الذكاء هذه المرة أم أنك أيقنت أنه لم يعد بالعمر مُتسع؟

[email protected]