لم يوافق كثير من قادة الطوارق والعرب على الانضمام إلى دولة مالي منذ استقلالها 1960 ، أمثال محمد علي الأنصاري وزيد أغ الطاهر وغيرهما

سجن بعض هؤلاء وعاش آخرون في المنفى حتى وفاتهم، وكردة فعل على ذلك انطلقت أول ثورة مسلحة على الحكم المركزي في بماكو 1963 ولم تزل مستمرة، تخبو حينا وتشتد أحيانا، حتى تمكن الطوارق والعرب من السيطرة على الأقاليم الشمالية «أزواد» نهاية فبراير 2012 ، ثم ما رافق ذلك من أحداث ما زالت فصولها تتوالى
ونظرا للبسالة القتالية والإقدام اللذين عرف بهما المقاتلون الصحراويون، ولوعورة الصحراء ومجاهلها، ونظرا للرهبة التي يجدها الجيش الرسمي من مقاتلي الطوارق، وجهله بالصحراء التي لا يطؤها إلا إذا كان برفقة دليل من العرب أو الطوارق، وانتهاج المقاتلين أسلوب حرب العصابات الذي يستنزف الجيوش النظامية، لم ينتصر الجيش الحكومي يوما في أي معركة ضد الصحراويين، بل كاد يفنى عن آخره قبل توقيع اتفاقية السلام في تسعينات القرن الماضي
لكن رغم ذلك ما زالت القضية تراوح مكانها، وفشل الشماليون «أبناء أزواد» في انتزاع أي مطالب، خاصة على الصعيد السياسي، ولم ينالوا إلا أشياء قليلة عادة ما تكون فردية، كإسكات بعض قادة الشماليين بمناصب في غالبها شكلية

يعني هذا أن البحث عن الحقوق بالسلاح ليس الطريقة الأفضل لنيلها! نعم قد يدعم الموقف، لكن لا بد أن يوازي ذلك أو يعقبه نشاط حقوقي وسياسي وإعلامي تديره عقول ناضجة وذكية، توصل القضية إلى المنابر الدولية والمنظمات الحقوقية، فالإعلام والفنون والرياضة اليوم أمضى أسلحة يمكن الاستعانة بها في تحقيق الغايات المرجوة
فبعد توقيع اتفاقية السلام مع الحكومة في التسعينات استبدل إبراهيم (أبريبون) بسلاحه الكلاشنكوف جيتارا وانضم إلى زملائه في فرقة «تيناروين» (الصحاري) التي أسستها مجموعة من شباب الطوارق أبناء «أزواد» شمال مالي، وصل أبريبون وزملاؤه بقضيتهم إلى أبعد حدود، مستخدمين الموسيقى والغناء، وحصدوا جوائز عالمية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وغيرهما، وحققوا نجاحات ما كان لهم أن يحققوها لو حاربوا مئات السنين!إذا على الطوارق والعرب أن يبحثوا عن وسائل أخرى للدفاع عن قضيتهم غير لغة البندقية، فهناك لغات أخرى تفهمها الشعوب والدول أكثر من هذه اللغة، فما تذخر به صحراؤهم من فنون وآداب وتراث إنساني ومخطوطات نادرة حق للبشرية ينبغي اطلاعها عليه، وتلك مهمة أبناء هذه الصحراء، فأين هم منها؟